الصفحة 253 من 461

فمن أقام بين أظهر المشركين من غير إظهار للدين , إلا من استثنى الله من المستضعفين , فقد أمرًا محرمًا بنص القرآن , وإجماع العلماء , قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: هذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين , وهو قادر على الهجرة , وليس متمكنًا من إقامة الدين , فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع , وبنص الآية.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله , الحادي عشر: أن العلماء متفقون على وجوب العمل بأحاديث الوعيد , فيما اقتضته من التحريم , وإنما خالف بعضهم في العمل بآحادها , في الوعيد خاصة؛ فأما في التحريم فليس فيه خلاف معتمد محتسب , وما زال العلماء من الصحابة , ومن بعدهم من التابعين , والفقهاء بعدهم , وفي خطابهم , وكتبهم: يحتجون بها في موارد الخلاف , وغيره , بل إذا كان في الحديث وعبد , كان ذلك أبلغ في اقتضاء التحريم , على ما تعرفه القلوب

وتقدم أيضًا: التنبيه على رجحان قول من يعمل بها في الحكم , واعتقاد الوعيد , وأنه الجمهور؛ وعلى هذا: فلا يقبل قول مخالف الجماعة.

الثاني عشر: ان نصوص الوعيد , من الكتاب والسنة , كثيرة جدًا , والقول بموجبها واجب على وجه العموم والإطلاق , من غير أن يعين شخص من الأشخاص , فيقال هذا ملعون , أو مغضوب عليه , أو مستحق للنار , , انتهى المقصود منه.

وحكم السفر للتجارة والكسب , حكم الإقامة لا فرق , ومن ادعى الفرق فعليه الدليل , فهذا كتاب الله , وهذه سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - , وهذا إجماع العلماء , على تحريم الإقامة بين أظهر المشركين , لمن عجز عن إظهار دينه , وكأنه قادرًا على الهجرة.

فإن قال بعض المتنطعين المتهوكين: الذي يخلل بلسانه كما تخلل البقرة بلسانها , إذا كنتم تحرمون الإقامة بين أظهر المشركين , من غير إظهار للدين , وتحرمون السفر إلى ديارهم , فمن المعلوم أن من أحل محرمًا فهو كافر , ونحن نبيح السفر إلى بلاد المشركين مطلقًا , أو مقيدًا بإظهار الأركان الخمسة

قيل له: من فعل أمرًا محرمًا، غير عالم بتحريمه , لا نؤثمه بذلك فضلًا عن تكفيره؛ ومن فعله عالمًا بتحريمه متعمدًا فعله , فهو عاص لله بارتكابه المحرم على عمد؛ فمن أباح السفر إلى بلاد المشركين , وهو يعلم أن ذلك حرام عليه , لكنه أصر عاند , وكابر وعتى وتمرد , وشرد على الله شراد البعير على أهله , زاعمًا أن الحق فيما خالف الكتاب والسنة , مما هو بنتحله من الأقوال , والآراء المخالفة للكتاب والسنة , فكلام أهل العلم في ذلك واضح , لا خفاء به.

وأما من قامت له شبهة , أو تأول , وزعم أن هذا السفر ليس بحرام , ولكن مباح , لأنه يظهر دينه , وأن البلد التي يسافر إليها ليست عنده ببلد كفر , إلى غير ذلك من الشبه , والتأويل , فهذا لا يكفر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت