الصفحة 251 من 461

هي قول السائل: ما الرخصة المذمومة المذموم المترخص بها , التي قيل فيها: من تتبع الرخص تزندق , أو كاد؟ فإن أكثر من لدينا إذا سمع ما لم يدر به , ولا هو على باله عد ذلك رخصًا؟

فنقول: قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله: الرخصة نوعان؛ أحدهما: الرخصة المستقرة المعلومة من الشرع نصًا , كأكل الميتة والدم , ولحم الخنزير عند الضرورة , وإن قيل لها عزيمة باعتبار الأمر والوجوب , فهي رخصة باعتبار الإذن والتوسعة؛ وكفطر المريض إذا شق عليه القيام قاعدًا , وفطر الحامل والمرضعة , خوفًا على ولديهما , ونكاح الأمة خوفًا من العنت , ونحو ذلك.

فليس في تعاطي هذه الرخص ما يوهن رغبته، ولا يرده إلى غثاثة , ولا ينقص طلبه وإرادته البتة , فإن منها: ما هو واجب , كأكل الميتة عند الضرورة؛ ومنها: ما هو راجح المصلحة , كفطر الصائم المريض , وقصر المسافر فطره؛ ومنها: ما مصلحته للمترخص وغيره , ففيه مصلحتان , قاصرة ومتعدية , كفطر الحامل والمرضعة , فعل هذه الرخص أرجح , وأفضل من تركها.

النوع الثاني: رخص التأويلات، واختلاف المذاهب , فهذه تتبعها حرام يتقص الرغبة , ويوهن الطلب , ويرجع بالمترخص إلى غثاثة الرخص , فإن من ترخص بقول أهل مكة في الصرف , وأهل العراق في الأشربة , وأهل المدينة في الأطعمة , وأصحاب الحيل في المعاملات , وقول ابن عباس في المتعة وإباحة لحوم الحمر , وقول من جوز نكاح البغايا المعروفات بالبغاء , وجوَّزَ أن يكون زوج قحبة.

وقول من أباح آلات اللهو والمعازف , من اليراع والطنبور والعود , والطبل والمزمار , وقول من أباح الغناء , وقول من جوز استعارة الجواري الحسان للوطء , وقول من جوز للصائم أكل البرد , وقال ليس بطعام ولا شراب , وقول من جوز الأكل ما بين طلوع الفجر , وطلوع الشمس للصائم ,

وقول من صحح الصلاة بـ {مدهامتان} [الرحمن: 64] بالفارسية وركع , كلحظة الطرف , ثم فصل كحد السيف , ولم يشهد ولم يصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرج من الصلاة بحقبة , وقول من جوز وطء النساء في إعجازهن , ونكاح بنت المخلوقة من مائه الخارج من صلبه حقيقة , إذا كان الحمل زنا , وأمثال ذلك من رخص رغبته , ويوهن طلبه , ويلقيه في غثاثة الرخص , فهذا لون والأول لون , انتهى.

وبهذا يتبين لك الفرق بين الرخص المحمودة , التي ورد بها الشرع ويحبها الله , كما في الحديث (( إن الله يحب أن تؤتى رخصه , كما يكره أن تؤتى معاصيه ) )وبين الرخص المذمومة شرعًا , التي من تتبعها فقد تزندق , والذي يترخص بهذه الرخص المذمومة , متلاعب بدين الله وشرعه , ومستخف بهما.

فإذا فهمت ذلك , فاعلم: أن الذي قصده المشائخ , إنما هي هذه الترخصات المذمومة , فظن هؤلاء المتدينون: أن المشائخ إذا سئلوا عن شيء وردت فيه الرخصة من التيسير , وعدم التكلف: أن هذا هو الترخص الذي من جهلهم واستغنائهم بآرائهم , , وأهوائهم والخاسرة القاصرة , فالله المستعان , هذا ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت