رضي الله عنه , لما رجع عن قتال علي , قصد راجعًا إلى الكوفة , فقتل في أثناء الطريق , ثم حمل إلى موضوع الزبير الآن فمات به.
وكذلك ابن عباس رضي الله عنه , خرج من المدينة وصار إلى البصرة , ثم نزل بمكة ومات بالطائف , وكذلك سلمان الفارسي رضي الله عنه , كان أميرًا على المدائن , في ولاية عمر بن الخطاب رضي الله عنه , وقد خرج من المدينة دار المهاجرين؛ وكذلك أبو موسى الأشعري رضي الله عنه , وغيرهم من الصحابة , ممن لا يحصى عددهم , ولا نعلم أن أحدًا من العلماء عاب ذلك , أو أنكره.
ومن عاب ذلك أو أنكره , فقد عاب على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خصوصًا أمير المؤمنين , علي بن أبي طالب رضي الله عنه , وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي , تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ , وإياكم ومحدثات الأمور , فإن كل محدثة بدعة , وكل بدعة ضلالة ) )وعلي رضي الله عنه رابع الخلفاء الراشدين المهديين , الذين أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نتمسك بسنتهم وهديهم , فمن أنكر ما ذكرناه وعابه , فقد أخطأ وأضاع نصيبه من العلم , وتكلف ما لا علم له به.
وأما قول السائل: وهل يستوي من ارتحل من منزله الأول بسب , أو من ارتحل بغير سبب؟
فنقول: قد ذكرنا أنفًا , من انتقل من الصحابة من المدينة , بأسباب اقتضت ذلك , مذكورة في مظانها؛ ومنهم من انتقل منها , ولم نطلع على السبب الذي أوجب له ذلك؛ ولا شك أن من انتقل منها بسبب كان أعذر ممن لم ينتقل عنها بلا سبب؛ وقد خرج سعد بن أبي قاص , رضي الله عنه , إلى قصره بالبادية أيام الفتنة , التي وقعت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما , وقيل له في ذلك , فقال:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوَّت إنسان فكدت أطير
وكذلك سلمة بن الأكوع رضي الله عنه , خرج أيام الفتنة من المدينة؛ فمن خرج من دار هجرته إلى بلد من بلدان المسلمين , من سبب لا نعيب عليه ذلك , إلا بدليل شرعي , فمن كان عنده في ذلك دليل , فليرشدنا إليه.
وأما قول السائل: وهل يطلق اسم دار الهجرة , على الديار النجدية؟ أم يقيد على ديار النازلين من الإخوان في هذا الزمان؟ أم لا؟
فنقول: نعم يطلق اسم دار الهجرة على الديار النجدية , ولا ذلك بديار النازلين من الإخوان في هذا الزمان , بل من هاجر من ديار الكفر , فلا من البادية إلى بلد من بلدان المسلمين , فهو مهاجر , فلا فرق في ذلك بين الديار التي نزلها الإخوان , في هذا الزمان , وبين قرى المسلمين , ولا يفرق بين ذلك إلا من أعمى الله بصيرة قلبه , وكان على نصيب وافر من الجهل , والقول على الله بلا علم.