الصفحة 246 من 461

الله لمعبوداتهم , ولو علموا ممن يسافر إلى ديارهم , أنهم على غير دينهم , وأنهم يكفرونهم , لأوقعوا بهم الفتنة , ولآذوهم , فقياس هؤلاء الكفرة على أولئك , من القياس الباطل المردود , مع أن السفر إلى ديار هؤلاء وهؤلاء ممنوع لكن أهل الكتاب والمجوس , يعلمون أنهم على غير دينهم , بخلاف عباد القبور , فإنهم يظنون أن من سافر إلى بلادهم على دينهم.

إذ تبين هذا , فسفر أبي بكر رضي الله عنه , كان مع إظهار دينه , ومن أظهر دينه كما ينبغي , فلا مانع من سفره إن أمن على نفسه ودينه؛ وقد قال ابن كثير رحمه الله تعالى , على آية النساء [97] هذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين , وهو قادر على الهجرة , وليس متمكنًا من إقامة الدين , فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع , وبنص هذه الآية , فلا يجوز خرق الإجماع.

فمن أظهر دينه , جاز له السفر والإقامة , ومن لا يقدر على إظهار دينه , لا يجوز له السفر ولا الإقامة بإجماع العلماء , ولكن الشأن كل الشأن , في إظهار الدين ما هو؟ أهو ملة إبراهيم , من مباداة أعداء الله بالعداوة والبغضاء , والبراءة منهم ومما يعبدون , وأن ما هم عليه من عبادة غير الله كفر وضلال بعيد , من عبارات لبعض العلماء مجملة محتملة , لا صراحة فيها , ولا راحة فيها لمبطل ولا مشبه؟

ثم كيف يسوغ لذي عقل ودين: أن يجعل سفر أبي بكر رضي الله عنه , الذي قد كان من المعلوم , أنه من الدلائل الجزئية , والقضايا العينية , مع أنه بلا شك ولا مرية يظهر دينه , دفعًا في نحر النصوص الواردة في وجوب المنع من الإقامة بدار الشرك , والقدوم إليها , وترك القعود مع أهلها , ووجوب التباعد عن مساكنتهم ومجامعتهم.

وهي نصوص عامة مطلقة , وأدلة محققة , كقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو عبد الرحمن النسائي , في قصة إسلام جرير بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم: (( تعبد الله ولا تشرك به شيئًا , وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة , وأن تفارق المشركين ) )وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ) )قيل ولم يا رسول الله؟ قال: (( لا تراءا ناراهما ) ).

وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( لا تستضيئوا بنار المشركين ) )قال ابن كثير معناه: لا تقاربوهم في المنازل , بحيث تكونوا معهم في بلادهم , بل تباعدوا عنهم , وهاجروا من بلادهم؛ وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة ) )وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( أنا برئ من أهل ملتين تتراءا ناراهما ) )وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله ) )وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( لا يقبل الله من المشرك عملًا بعد ما أسلم , أو يفارق المشركين ) )وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( لا يسلم لذي دين دينه , إلا من فر من شاهق إلى شاهق ) )والأحاديث في ها الباب كثيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت