نبيه , ولإظهار دينه , فخذوا بسنتهم، واهتدوا بهديهم , واعرفوا لهم فضلهم , فإنهم كانوا على الصراط المستقيم.
وإذا كانوا ما ترى من العلم والفضل , والمعرفة , والغيرة لله ولدينه , وإظهار الدين , وأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم والمعرفة , فإذا جاز لأحدهم السفر والحالة هذه , من كمال العلم والمعرفة , وإظهار الدين , وإنكار المنكر , ومباداة أعداء الله بالعداوة والبغضاء , أفيقول من له دين وعقل وورع إيماني: إن سفر غوغاء الناس وسفلتهم , والعوام - ممن لا يعرف ما أوجب الله عليه , من معاداة المشركين , ومقاطعتهم , وما حرم الله ورسوله من موالاتهم , والركون إليهم , والتلطف لهم بالمعاملات , والمبايعات والمعاشرات , ومن لا يعلم: أن من الموالاة ما يوجب الردة , ومنها ما هو دون ذلك - يجوز , قياسًا على سفر أبي بكر وغيره من الصحابة رضي الله عنهم؛ وهل لهذا القياس حظ من النظر والدليل؟ أو هو سفسطة وضلال عن سواء السبيل؟!.
فالصحابة رضي الله عنهم: أعلم الناس بدينهم وكيفية إظهاره , ومعهم من العلم والدلائل ما يقطع المجادل والمخاصم , فهم النجوم للورى هداية ودارية , مع أن الاستدلال بسفر أبي بكر , من الدلائل الجزيئة , وهي لا تعارض القواعد الكلية , أو أنها قضية عين خاصة , والقضايا العينية الخاصة مقصورة على مواردها , ولا عموم لها عند جماهير الأصوليين والنظار.
فقياس سفر غوغاء الناس وعوامهم , وفساق المسلمين ممن لا يعرف ما أوجب عليه , على سفر أعلم الناس وأصلحهم , وأعرفهم بدلائل دينه , وأقومهم بحق الله وإظهار دينه وإعلاء كلمته , من أبطل القياس وأفسده , ولا يقيس هذا القياس إلا فاسد المزاج , محتاج إلى علاج.
أين الثريا ... مكانا في ... ترفعها ... من الثرى قال هذا كل منتبه
من ذا يقيس نقي الجلد من درن الدنيا ... وأمراضها ... يومًا بأجربه
هذا لعمر اله من أمحل المحال , وأبين الضلال , وأفسد القياس؛ ثم إن أبي بكر ومن سافر من الصحابة , إنما كان سفرهم إلى بلاد النصارى , وإلى بلاد المجوس.
ومن المعلوم: أن النصارى , والمجوس يعلمون أن العرب على غير دينهم , حتى في الجاهلية , والعرب يعلمون أن هؤلاء على غير دين , فالكل منهم متميز عن الآخر بدينه , خصوصًا بعد البعثة , فإنه من المعلوم: أن أهل الإسلام يكفرونهم , لا يشك في ذلك أهل الكتاب ولا غيرهم , بخلاف عباد القبور اليوم وأشياعهم.
فإنهم ينتسبون إلى الإسلام , ويتلقون بالشهادتين , وغالبهم يصلي ويصوم ويحج , ومن لا يفعل ذلك قد يعظم من يفعل ذلك ويرى فضله , ومع هذا كله , فحالهم كما تقدم قريبًا , من صرفهم خالص حق