الصفحة 244 من 461

والجواب عن ذلك من أوجه , أحدها: أنه في عناية من ربه , فكل من حضر مولده من أهل العصيان , وافق نزول الرحمة والغفران , فغفر له بسببه , وتيب عليه ولو بعد حين من الزمان؛ الثاني: أن الغالب على حاله البسط , وجاهه عريض يسع الخلق، ولو وافقه جميع فساق أهل الأرض كذلك , كان مفغورًا لهم بسببه؛ الثالث: أنه قد خرج إلى مقام لا تكليف فيه , وهؤلاء العاملون عملهم لهم وعليهم , انتهى , ما ذكره هذا المجيب عن عباد القبور , وأهل الفواحش والفجور.

فأي ملة - صان الله ملة الإسلام - لا تمانع هذه الكفريات ولا تدافعها؟ فإن كان الخير عند هؤلاء ومساكنتهم , ومجامعتهم والسفر إلى أوطانهم مباح , والحالة هذه , فما أرى من يرى ذلك شم رائحة الإيمان , والغيرة لله ورسوله ودينه , ولا عرف ما يجب لله في الإسلام على المسلمين , ولا ما هو الشرك المنافي لتوحيد رب العالمين:

وقد نقل إلينا عن بعض من ينتسب إلى طلب العلم: أنه يبيح السفر مطلقًا إلى من هذا دينه , وهذه نحلته , وهذه حال بلده , مستدلًا بسفر أبي بكر رضي الله عنه إلى بصرى , في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر عليه سفره , وأن أبا بكر رضي الله عنه لم يكن يظهر دينه , وليس هذا الجهل بغريب ممن لم يعرف كفر هؤلاء , وأن أبا جهل وأشياعه ما وصل كفرهم إلى ساحل هذا الكفر العظيم؛ ولا عرف أن بلادهم بلاد كفر والحالة هذه.

ولكن الذي يعلم به من نصح نفسه , وأراد نجاتها: أن الاستدلال لجواز سفر عوام الناس، الذين لا يعرفون ما أوجب الله عليهم , من معاداة المشركين , ومباداتهم بالعداوة والبغضاء , والتصريح لهم بالبراءة منهم , ومما يعبدون , بسفر أبي بكر رضي الله عنه , من دسائس الشيطان , فإن من المعلوم عند الخاص والعام , ولا ينكره إلا مكابر مبخوس الحظ: أن الصحابة يظهرون دينهم , وقد بايعوا رسول الله النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن لا تأخذهم في الله لومة لائم , وإنكارهم رضي الله عنهم ورضاهم باللسان , على من أحدث حدثًا أو فعل منكرًا معروف مشهور.

ولم ينقل عن أحد من الصحابة: أنه رأى منكرًا وسكت عن إنكاره بلسانه , بل كانوا يكافحون الظلمة بالإنكار , و ولا يخافون في الله لومة لائم؛ ومن ظن أن الصحابة رضوان الله عنهم لا يظهرون دينهم , ولا ينكرون المنكر , فقد ظن بهم ظن السوء , ولم يعرف قدرهم وفضلهم ومحلهم من الإسلام , وغيرتهم لله وعلى دينه , ولم يقدرهم حق قدرهم , فهم القدوة وبهم الأسوة.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة , أولئك أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا , وأقلها تكلفًا. وقوم اختارهم الله لصحبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت