ثالثًا: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد العدو المتترس بمسلمين
ثالثًا: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل من نووية، وبيلوجية، وكيماوية ضد العدو المتترس بمسلمين:
إذا قام العدو بوضع أشخاص من المسلمين الأسرى ترسًا لهم في خنادقهم، أو قلاعهم، أو مواقعهم، وذلك حتى يتفادوا ضربة المسلمين، فهل للمقاتلين من المسلمين ضرب موقعهم ولو أصابوا هؤلاء المسلمين المتترس بهم؟
الجواب:
لا يخلو الأمر من تفصيل:
فإن لم يكن هنالك أي خطر على جماعة المسلمين لو لم يضربوا عدوهم مع كون المسلمين لايقدرون على الحربيين إلا برمي الترس فقد اتفق أهل العلم من الفقهاء على أنه لايجوز ضربهم [45] .
وإذا كان الخوف من الخطر مظنونًا، ولا يوجد خطر محقق فقد اختلف أهل العلم في ضربهم على قولين:
القول الأول: يجوز ضرب العدو وإن أصاب الترس من المسلمين، وإليه ذهب أهل العلم من الحنفية [46] والشافعية [47] .
القول الثاني: لايجوز ضرب العدو إذا كان سيصيب الترس من المسلمين عند خوف، أو ظن وجود خطر من العدو، وإليه ذهب أهل العلم من المالكية [48] ، والحنابلة [49] .
قال في المغني: قال الليث:"ترك فتح حصن يقدر على فتحه أفضل من أن يقتل مسلمًا بغير حق" [50] ، وقال الأوزاعي:"كيف يرمون من لايرونه أنهم يرمون أطفال المسلمين" [51] .
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول القائلون بالجواز بما يلي:
1)لأنه لايتعمد رمي المسلم، وإنما يتعمد رمي العدو [52] .
2)أن في اعتبار وجود أسير مسلم يؤدي إلى انسداد باب الجهاد [53] .
3)أن الأمور بمقاصدها، فإذا تترس الكافر بمسلم؛ فإن رماه مسلم وقصد قتل المسلم حرم، وإن قصد قتل الكافر لم يحرم [54] .
واستدل أصحاب القول الثاني القائلون بالمنع بما يلي:
1)قوله تعالى: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} .
وجه الاستدلال:
أن كفار مكة حين منعوا النبي من أداء العمرة عام الحديبية همّ النبي بقتالهم، واستشار أصحابه في ذلك؛ ولكن الله عز وجل صرف نبيه، وصرف المسلمين عن هذا القتال بسبب وجود بعض المؤمنين والمؤمنات بين أهل مكة، الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الهلاك في غمرة زحف المسلمين على مكة واجتياحها [55] .
وأجيب عنه: بأنه لا دلالة في الآية على عدم الضرب بل أكثر ما فيها أن الله تعالى كف المسلمين عنهم؛ لأنه كان فيهم قوم مسلمون لم يأمن أصحاب النبي لو دخلوا مكة بالسيف أن يصيبوهم؛ وذلك إنما يدل على إباحة ترك رميهم، والإقدام عليهم فلا دلالة على حظر الإقدام عليهم مع العلم بأن فيهم مسلمين؛ لأنه جائز أن يبيح لهم الكف عنهم لأجل المسلمين، وجائز أيضًا إباحة الإقدام على وجه التخيير، فإذًا لا دلالة فيه على منع الإقدام [56] .
2)أن التوصل إلى المباح بالمحظور لا يجوز، ولا سيما بروح المسلم [57] .
3)لأن غايتنا أن نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا يباح بالخوف [58] .
قلت: لا يخفى عليك مافي التحرز من ضرب الترس من المسلمين من أهمية بالغة مالم يكن هناك غلبة ظن، أو أمر راجح لا تحمد عواقبه، ومرجع ذلك وتقديره إلى إمام المسلمين بمشاورة أهل الرأي وأهل الحل والعقد منهم.
وإذا تبين لنا الخلاف في حالة عدم وجود خطر محقق، أو مجرد الظن، وأن هناك من يجيز، وهناك من يمنع؛ فإنه عند وجود خطر محقق، وضرر محدق بالمسلمين، ولايوجد سبيل إلا بضرب العدو بهذه الإسلحة، فإنه يجوز ضربهم بها، ولو أصيب في ذلك المسلمون المتترس بهم، وقد اتفق على ذلك أهل العلم من الفقهاء [59] ، والأصوليين [60] ، وغيرهم من أهل العلم، وهو مارجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في فتاويه [61] .
الأدلة:
1)أن حفظ خطة الإسلام، ورقاب المسلمين أهم في مقاصد الشرع من حفظ شخص معين، في ساعة، أو نهار، وسيعود الكفار عليه بالقتل [62] .
2)حيث يباح أكل مال الغير بالإكراه لأن المال حقير في ميزان الشرع، بالإضافة إلى الدم، فكذلك دم الشخص المعين يباح بالنسبة للدم الأعظم، وهو دماء المسلمين. ففي رمي الترس ارتكاب لأخف الضررين [63] .
3)يجوز للضرورة حيث إن حصون الكفرة لا تخلو من أسير مسلم [64] .
4)لأن كف المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد؛ لأنهم متى علموا ذلك تترسوا بهم عند خوفهم فينقطع الجهاد [65] .
5)لأنه لا يتعمد بالرمي المسلم وإنما يتعمد به العدو [66] .
6)أن الذي قتل في الترس من أجل الجهاد الذي أمر الله به ورسوله وهو في الباطن مظلوم يكون شهيدًا، ويبعث على نيته، ولم يكن قتله أعظم فسادًا من قتل من يقتل من المؤمنين المجاهدين [67] .
7)لأنه لو ترك الترس لانهزم المسلمون، وخيف من استئصال قاعدة الإسلام، وجمهور المسلمين، وأهل القوة منهم [68] .
هذا وقد ذهب بعض أهل العلم كالإمام الشوكاني [69] ، ومن وافقه إلى استثناء التحريق بالنار من جواز الضرب بهذه الأسلحة المدمرة، فيجوز الضرب بأسلحة الدمار الشامل من نووي، وكيمائي، وبيلوجي إلا ما تسبب في حرق العدو فلا يجوز أبدًا.
واستدل الشوكاني على جواز الضرب ماعدا التحريق بأن النبي منع من ذلك، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (بعثنا رسول الله في بعث فقال: إن وجدتم فلانًا وفلانًا لرجلين فأحرقوهما بالنار ثم قال حين أردنا الخروج: إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار لايعذب بها إلا الله؛ فإن وجدتموهما فاقتلوهما) [70] .
وجه الدلالة:
دل هذا الحديث على منع التحريق على كل حال، سواء كان المحرق مشركًا، أوغير مشرك [71] .
وأما التحريق من بعض الصحابة فهذا دليل على أنه لم يبلغهم الدليل [72] .
وأجيب [73] عن هذا المنع: بأن هذا صريح في النهي عن تحريق العدو بعد الأخذ، أي بعد إلقاء القبض عليه. أما حال القتال فلا يدخل في ذلك.
قال ابن حجر: (ومحله أي النهي عن التحريق بالنار إذا لم يتعين التحريق طريقًا إلى الغلبة على الكفار حال الحرب قال: واختلف السلف في التحريق، فكره ذلك عمر، وابن عباس، وغيرهما مطلقًا، سواء كان ذلك بسبب الكفر، أو في حال مقاتلة، أو قصاصًا. وأجازه علي، وخالد بن الوليد وغيرهما ... وقال المهلب::ليس هذا النهي على التحريم بل على سبيل التواضع. ويدل على جواز التحريق فعل الصحابة، وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون والمراكب على أهلها) [74] .
قال - أي ابن حجر: (وأما حديث الباب فظاهر النهي فيه التحريم وهو نسخ لأمره المتقدم ... وهو محمول على من قصد إلى ذلك في شخص بعينه) [75] .
[45] انظر: بدائع الصنائع (7 - 101) ، وتبيين الحقائق (3 - 244) ، والأحكام السلطانية للماوردي (52) ، والأم (4 - 308) ، والمغني (9 - 230) .
[46] البحر الرائق (5 - 83) ، والمبسوط (10 - 153) .
[47] مغني المحتاج (4 - 224) والأشباه والنظائر للسيوطي (1 - 602) .
[48] أحكام القرآن لابن العربي (4 - 116) وشرح الخرشي (7 - 114) ، ومنح الجليل (3 - 150) ، وتفسير القرطبي (16 - 287) .
[49] انظر: المغني لابن قدامه (9 - 232) وكشاف القناع (3 - 51) .
[50] انظر: المغني (9 - 232) .
[51] المرجع السابق.
[52] شرح السير الكبير (4 - 1475) .
[53] انظر: بدائع الصنائع (7 - 101) والبحر الرائق (5 - 83) .
[54] الأشباه والنظائر للسيوطي (1 - 102) .
[55] انظر: الجهاد والقتال في السياسة الشرعية (2 - 1356) .
[56] أحكام القرآن للجصاص (5 - 375) .
[57] أحكام القرآن لابن العربي (4 - 116) .
[58] نقله النووي في روضة الطالبين عمن يقول بالمنع (10 - 346) .
[59] انظر: بدائع الصنائع (7 - 101) ، وتبيين الحقائق (3 - 244) ، والعناية (1 - 379) ، وحاشية بن عابدين (4 - 129) ، والمبسوط (10 - 154) ، وشرح معاني الآثار للطحاوي (3 - 222) ، وما بعدها، وشرح السير الكبير (4 - 1475) ، والبحر الرائق (5 - 83) ، والتاج والإكليل (3 - 351) ، والفروق للقرافي (4 - 35) ، وتبصرة الحكام لابن فرحون (2 - 203) ، والغرر البهية لزكريا الأنصاري الشافعي (5 - 124) ، وحاشية قليوبي وعميرة (4 - 220) وفتاوى الرملي (4 - 46) ، ونهاية المحتاج (8 - 65) ، والوسيط (7 - 21) ، ومغني المحتاج (4 - 224) ، والأم للشافعي (4 - 309) ، والأحكام السلطانية للماوردي (52) ، والأشباه والنظائر للسيوطي (1 - 102) ، والمغني (9 - 231) ، والكافي لابن قدامة (4 - 268) ، والفروع (6 - 211) ، والإنصاف (4 - 190) .
[60] انظر: المستصفي للغزالي (180) ، والمحصول للرازي (6 - 221) ، والإبهاج (3 - 178) ، وأحكام الأمدي (4 - 167) والقواعد الصغرى (1 - 67) ، والموافقات للشاطبي (2 - 350) ، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام (1 - 95) ، والغرة المنيفة (1 - 100) ، وإرشاد الفحول للشوكاني (1 - 404) ، والفروق للقرافي (4 - 35) .
[61] انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3 - 553) .
[62] انظر: المستصفي للغزالي (180) .
[63] انظر: المستصفي (180) .
[64] انظر: بدائع الصنائع (7 - 101) ، وتبيين الحقائق (3 - 244) .
[65] انظر: المغني (9 - 232) والإنصاف (4 - 190) وفتاوى الرملي (4 - 46) .
[66] انظر: شرح السير الكبير (4 - 1475) .
[67] انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3 - 553) .
[68] انظر: التاج والإكليل شرح مختصر خليل (3 - 351) .
[69] انظر: السيل الجرار (4 - 534) وشرح السير الكبير (4 - 1469) .
[70] أخرجه البخاري في صحيحه (3016) ، والترمذي (1571) ، وأبو داود (2673) ، وأحمد (8007) ، والدارمي (2461) .
[71] انظر: السيل الجرار للشوكاني (4 - 534 535) .
[72] المرجع السابق.
[73] انظر: الجهاد والقتال (2 - 1351) .
[74] فتح الباري (6 - 149 150) .
[75] انظر: فتح الباري (6 - 149 150) .