ثانيًا: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد العدو المتحصن والمتترس بأطفاله ونسائه
ثانيًا: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل من نووية، وبيلوجية، وكيماوية، ضد العدو المتحصن والمتترس بأطفاله ونسائه:
من سماحة الإسلام ورأفته ورحمته أنه ينهى عن تدمير البشر، وليست إراقة الدماء غاية أو هدفًا مرغوبًا فيه؛ ولذلك كان من تعاليمه لجيشه ألاّيقتل النساء، ولا الولدان، ويدل عليه ما يلي:
1)عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله كان إذا بعث جيوشه قال: (لا تقتلوا الولدان) [22] .
2)عن رباح بن حنظلة الكاتب: (أنه خرج مع رسول الله في غزاة غزاها وخالد بن الوليد على مقدمته، حتى لحقهم رسول الله على ناقته، فأفرجوا عن امرأة ينظرون إليها مقتوله فبعث إلى خالد بن الوليد ينهاه عن قتل النساء والولدان) [23] . وفي رواية قال: (ما كانت هذه تقاتل) ثم أتبع رسول الله خالدًا: (أن لا تقتل امرأة ولا عسيفًا) [24] .
3)عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله عن قتل النساء والولدان) ، وقال: (هما لمن غلب) [25] .
4)عن كعب بن مالك: (أن رسول الله نهى الذين قتلوا ابن أبي الحقيق حين خرجوا إليه عن قتل الولدان والنسوان) [26] .
5)عن يزيد بن هرمز قال: (كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله: هل كان النبي يقتل من صبيان المسلمين أحدًا؟ فكتب إليه ابن عباس وأنا حاضر، إن رسول الله كان لا يقتل منهم أحدًا) [27] .
وإذا تبين مافي الإسلام من أمر للمسلمين بأن لا يقتلوا هؤلاء فإن العلماء اتفقوا على أنه لايجوز قتل نساء العدو، ولا أطفاله أبدًا؛ لكن إذا كان العدو على معرفة بتعاليم الإسلام، وأنه لايقتل نساؤهم وأطفالهم، فقاموا بالتترس بهم لعلمهم أن المسلمين لن يضربوهم فما الحكم؟
اختلف فيه الفقهاء على قولين:
القول الأول: ذهب أهل العلم من الحنفية [28] والشافعية [29] والحنابلة [30] إلى أنه يجوز ضربهم مطلقًا ولو لم يكن هنالك ضرورة قصوى. القول الثاني: وذهب أهل العلم من المالكية [31] إلى أنه لايجوز ضربهم أبدًا إلا في حالة الضرورة القصوى.
وقد استدل الفريقان على جواز ضرب الترس من نساء العدو وأطفاله بهذه الأسلحة المدمرة بما يلي:
1)عن الصعب بن جثامة، قال: (سُئل رسول الله عن أهل الدار من المشركين يبيتون ليلًا فيصاب من نسائهم وصبيانهم، فقال:"هم منهم") [32] . وفي رواية قيل يارسول الله: (أوطأت خيلنا أولادًا من المشركين؟ فقال: رسول الله:"هم من آبائهم") [33] . وفي رواية أخرى قلنا: (يارسول الله، الدار من دور المشركين نفتحها في الغارة فنصيب الولدان تحت بطون الخيل ولا نشعر؟ فقال:"إنهم منهم") [34] .
وجه الاستدلال:
لما لم ينههم رسول الله عن الغارة، وقد كانوا يصيبون فيها الولدان والنساء الذين يحرم قصد قتلهم دل ذلك أن ما أباح في هذه الآثار لمعنى غير المعنى الذي من أجله حظر ما حظر في الآثار الأول، وأن ما حظر في الآثار الأول هو قصد قتل النساء والولدان، والذي أباح هو قصد قتل المشركين وإن كان في ذلك تلف لغيرهم مما لايحل قصد تلفه [35] .
2)عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان رسول الله يغير على العدو عند صلاة الصبح فيستمع، فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار) [36] .
3)عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان النبي إذا غزا قومًا لم يغر عليهم حتى يصبح فإن سمع أذانًا أمسك وإن لم يسمع أذانًا أغار، فنزلنا خيبر، فلما أصبح ولم يسمع أذانًا ركب وركبنا معه فاستقبلنا عمال خيبر قد أخرجوا مساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا النبي والجيش قالوا: محمد والخميس، فأدبروا هرابًا، فقال النبي:"الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين") [37] .
4)عن جندب بن مكيث الجهني قال: (بعث رسول الله غالب بن عبدالله الليثي في سرية كنت فيهم، وأمره أن يشن الغارة على ابن الملوح بالكديد) ، قال: (فراحت الماشية من إبلهم وغنمهم، فلما احتلبوا وعطنوا واطمأنوا نيامًا، شننا عليهم الغارة فقتلنا واستقنا النعم) [38] .
5)عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: (لما قربنا من المشركين أمرنا أبو بكر الصديق فشننا عليهم الغارة) [39] .
وجه الاستدلال من الآثار السابقة:
أن النبي أمر بالغارة، وأغار على أهل خيبر ولم يمنعه من ذلك ما يحيط به، وقد كان يعلم فيما يبدو أنه لا يؤمن من تلف الولدان والنساء في ذلك ولكنه أباح ذلك لهم؛ لأن قصدهم كان إلى غير تلفهم [40] .
6)أن النظر يدل على جواز قتل النساء والولدان والمتترس بهم ولكن لايُقصدون بالقتل، ويؤيده مارواه صفوان بن يعلي بن أمية عن أبيه، قال صفوان: (كان لي أجير فقاتل إنسانًا فعض أحدهما صاحبه، فانتزع أصبعه فسقطت ثنيتاه، فجاء إلى رسول الله يلتمس العقل فأهدر ثنيته) ، قال عطاء: (حسبت أن صفوان قال: قال رسول الله"أيدع يده في فيك فتقضمها كقضم الجمل؟) [41] وفي رواية (كقضم البكر) [42] ، وفي رواية (أردت أن تقضم يد أخيك كما يقضم الفحل، فأبطلها) [43] ."
وجه الاستدلال:
لما نزع المعضوض يده، وأتلف ثنايا غيره لم يكن عليه شيء ولو قصد إلى نزع الثنايا لحرم عليه ذلك، فكذلك العدو حرم علينا القصد إلى قتل نسائهم، وحلال لنا أن نقتل العدو فإذا أصيب النساء والولدان ولم يكونوا قصدنا بالقتل فلا شيء علينا [44] .
قلت: ففيما مضى من الأحاديث في قتل نساء، وذراري، وأطفال المشركين دون تعمد قصدهم دليل للقائلين بجواز ضرب أطفال ونساء العدو المتترس بهم كما هو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، ولو لم تكن ثمة ضرورة قصوى، وهو دليل أيضًا للمالكية ولكن بشرط أن تلجئ إلى ذلك الضرورة القصوى.
وعلى كل حال فالأمر في ذلك إلى ولي أمر المسلمين للعمل بما يراه يحقق المصلحة، ويدرأ المفسدة.
[22] أخرجه البخاري (3014) ، ومسلم (1744) ، وأبو داود (2668) ، والترمذي (1519) ، وابن ماجه (2841) ، وأحمد (4725) ، ومالك (981) ، واللفظ للترمذي.
[23] أخرجه البخاري (3015) ومسلم (1744) .
[24] أخرجه أبو داود (3669) ، وابن ماجة (2842) .
[25] رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد الخدري انظر: فتح الباري (1 - 3015) .
[26] فتح الباري لابن حجر (1 - 3013) .
[27] أخرجه مسلم (1812) ، والترمذي (1556) ، والنسائي (4133) ، وأبو داود (2727) ، وأحمد (1968) .
[28] انظر: بدائع الصنائع (7 - 100) ، وتبيين الحقائق (3 - 244) والعناية (1 - 379) والمبسوط (10 - 154) وشرح معاني الآثار للطحاوي (3 - 222) .
[29] انظر: مغني المحتاج (4 - 225) ، ونهاية المحتاج (8 - 65) ، والوسيط (7 - 21) .
[30] انظر: المغني (9 - 232) ، وكشاف القناع (3 - 51) ، والفروع (6 - 211) .
[31] انظر: المدونة للإمام مالك (2 - 2524) ، والفروق للقرافي (4 - 35) ، وشرح الخرشي على مختصر خليل (3 - 114113) .
[32] أخرجه البخاري (3013) ، ومسلم (1745) ، والترمذي (1570) ، وأبو داود (2672) ، وابن ماجة (2839) ، وأحمد (27902) .
[33] أخرجه البخاري (3013) .
[34] أخرجه أحمد في مسنده (16245) .
[35] انظر: شرح معاني الآثار (3 - 223) .
[36] أخرجه البخاري (2944) .
[37] أخرجه البخاري (2944) ، ومسلم (1365) ، والترمذي (1550) ، والنسائي (547) (3380) ، وأحمد (11581) ، ومالك (1020) .
[38] أخرجه أحمد (15417) ، وأبو داود (2678) .
[39] شرح معاني الآثار (3 - 209) من طريق ابن مرزوق ثنا بشر بن عمر ثنا عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه.
[40] انظر: شرح معاني الآثار (3 - 224) .
[41] أخرجه البخاري (2266) ، ومسلم (1674) ، والنسائي (4765) ، وأبو داود (4584) ، وابن ماجه (2656) ، وأحمد (17489) .
[42] أخرجه النسائي (4763) .
[43] أخرجه البخاري (2266) ، ومسلم (1674) ، والنسائي (4765) ، وأبو داود (4584) ، وابن ماجه (2656) ، وأحمد (17489) .
[44] انظر: شرح معاني الآثار (3 - 224) .