فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 78

والذي يظهر لي أن القول الثالث القائل باتساع وقتها هو الراجح جمعًا بين القولين السابقين؛ لأن إعمال الأدلة كلها خير من إبطالها أو إبطال بعضها.

وعلى هذا فمن فعلها قبل الدخول فلا بأس؛ لأن القصد من الوليمة إشهاد النكاح، وإشهاره بإطعام الطعام عند الدخول أوقع، وهو ما عليه عمل الناس اليوم، وإن فعلها بعد الدخول فلا بأس لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولأن وقتها قد يخضع للظروف والعادات كمن تتزوج بتوكيل وتسافر لزوجها فيدخل بها ثم يصبح، ويعد لها وليمة يدعو لها الأصدقاء والجيران، ولكن الأفضل أن تكون قبل الدخول اعتبارًا بالعرف ولأنها أوقع في النفس. والله أعلم.

حكمة مشروعية وليمة العرس

شرعت وليمة العرس لحكم [1] جليلة منها:

1 -شكر الله تعالى على نعمة النكاح، وعلى ما أولاه للإنسان من انتظام تدبير المنزل، وعلى ما يصرفه إلى عبادة وينفعهم به.

2 -التلطف بإشاعة النكاح، وأنه على شرف الدخول بالزوجة، إذ لابد من الإشاعة لئلا يبقى النكاح محلًا لوهم الواهم في النسب، وليتميز النكاح عن السفاح بادئ الرأي، ويتحقق اختصاص الرجل بالزوجة على أعين الناس.

يقول [2] الباجي [3] في هذا الصدد: أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالوليمة لما فيها من إشهار النكاح مع ما يقترن بها من مكارم الأخلاق.

وقال [4] مالك: استحب الإطعام في الوليمة وكثرة الشهود ليشتهر النكاح وتثبت معرفته.

3 -البر بالمرأة وقومها، فإن صرف المال لها، وجمع الناس في أمرها يدل على كرامتها عليه، وكونها ذات بال عنده.

ومثل هذه الأمور لابد منها في إقامة التآلف والتواصل فيما بين أهل المنزل لا سيما في أول اجتماعهم.

4 -إن تجدد النعم يورث الفرح والنشاط والسرور، ويحفز على صرف المال حيث إن الإنسان ملك ما لم يكن مالكًا له، وفي إتباع تلك الداعية تمرن على السخاء والبعد عن الشح والبخل إلى غير ذلك من الفوائد والمصالح.

ولما كان في وليمة العرس جملة صالحة من فوائد السياسة المدنية والمنزلية، وتهذيب النفس والإحسان، أبقاها النبي - صلى الله عليه وسلم- ورغب فيها، وحث عليها، وعمل هو بها، ولم يضبطها النبي -صلى الله عليه وسلم- بحد مثل المهر الذي يختلف باليسر والعسر ليتمكن كل إنسان من الإنفاق حسب قدره، للموسر قدره وللمقتر قدره.

(1) حجة الله البالغة للدهلوي (ط دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت) جـ 2/ 130.

(2) شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك جـ 3/ 208.

(3) الباجي: سلميان بن خلف، أبو الوليد الباجي، فقيه، مالكي كبير، من رجال الحديث ولد سنة 403هـ وتوفي سنة 474هـ من مؤلفاته: إحكام الفصول في أحكام الأصول، الحدود، الإشارة، المنتقي، شرح موطأ مالك، المدونة، وغيرها. الأعلام جـ 3/ 125.

(4) شرح الزرقاني جـ 3/ 208.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت