لا حجة [1] لكم فيه؛ لأن الأمر محمول على الاستحباب، ولكونه -صلى الله عليه وسلم- أمره بشاة وهي غير واجبة اتفاقًا.
أجيب عليهم: لم يرد ما يصرف الأمر من الوجوب للندب، ثم إن القصد من الوليمة فعلها لا بيان قدرها، فلا تلازم بين الوليمة وقدرها.
2 -استدلالكم بحديث: «ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» لا حجة [2] لكم فيه أيضًا على وجوب الوليمة؛ لأن العصيان في ترك الإجابة لا في ترك الوليمة، ولا غرابة في وجوب الإجابة دون الوليمة، ألا ترون أن السلام لا يجب الابتداء به، ورده واجب.
أجيب عليهم [3] : إن العصيان مخالفة الأمر، والمندوب مأمور به؛ لأن تركه عصيان، يترتب عليه ذم.
الرأي الراجح
والذي يظهر لي من خلال العرض السابق لأقوال الفقهاء؛ أن ما ذهب إليه القائلون بوجوب الوليمة أولى بالاعتبار وذلك للأسباب الآتية:
1 -إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بها عبد الرحمن بن عوف وقال له: «أولم» والأمر للوجوب ما لم يوجد صارف يصرف إلى الندب، ولم أجد صارفًا يصرفه عن الوجوب.
2 -إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أولم على زوجاته في السفر والحضر وفي السعة والضيق، فلو كانت محمولة على الاستحباب لتركها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في السفر أو الضيق تعليمًا لأمته، ولكنه لم يفعل فدل ذلك على وجوبها.
3 -قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس في المال حق سوى الزكاة» حديث ضعيف لا تقوم به الحجة، ومع هذا فقد ورد بنفس السند ما يعارضه وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن في أموالكم حقًّا سوى الزكاة» [4] . وإذا كان في المال حق سوى الزكاة، كانت الوليمة منها.
4 -إن السنة النبوية المطهرة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، وقد أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالوليمة عند الدخول بالمرأة فلا يسعنا تركها؛ لأنها تتحقق بما قل وكثر.
5 -إن الوليمة لو كانت مستحبة لسكت عنها النبي -صلى الله عليه وسلم- مع بعض أزواجه، وما أمر بها عبد الرحمن بن عوف وقد دخل بزوجته، ولكنه -صلى الله عليه وسلم- لم يفعل فدلَّ ذلك على الوجوب.
(1) بتصرف فتح الباري جـ 9/ 138.
(2) شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك لمحمد بن عبد الباقي الزرقاني (ط1 - دار الكتب العلمية - بيروت سنة 1990م) جـ 3/ 207، 208.
(3) المصدر نفسه/ 208.
(4) أخرجه الدارمي بلفظه كتاب الزكاة باب ما يجب في مال سوى الزكاة (ط 2 - دار الكتاب العربي بيروت سنة 1997م) جـ 1/ 471، وأخرجه الترمذي بلفظ: «إن في المال حقًّا ... » وقال: هذا حديث إسناده ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور: يضعَّف. جامع الترمذي بشرح تحفة الأحوذي - كتاب الزكاة- باب ما جاء أن في المال حقًّا سوى الزكاة جـ 3/ 278.