6 -ولا يقول قائل: إن السنة ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها؛ لأن القائلين حتى بالاستحباب منهم من قال: إن الوليمة سنة [1] مؤكدة، والمؤكدة يثاب فاعلها ويعاتب تاركها، فتركها عند الحنفية قريب [2] من الحرام وليس بحرام. ويكفي في هذه المسألة مواظبة النبي -صلى الله عليه وسلم- عليها في جميع أنكحته، ولنا فيه عليه الصلاة والسلام الأسوة الحسنة لقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) [3] . وقال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [4] ، وقد أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالوليمة قولًا وفعلًا فوجب الاقتداء به.
7 -كما روي أن عليًّا رضي الله عنه لما خطب فاطمة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنه لابد للعروس من وليمة» [5] ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «الوليمة حق» [6] ، فقد دلَّ الحديثان على أن الوليمة واجبة؛ لأن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لابد» [7] فيه دلالة على الإلزام، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «حق» تأكيد للمعنى السابق؛ لأنها إذا كانت حقًّا وجب فعلها.
ولا يقول قائل: إن (حق) معناها [8] ليست بباطل؛ لأننا جميعًا نتفق على أن ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليس بباطل، فلا داعي للعدول باللفظ عن ظاهره.
يقول [9] ابن عبد البر [10] في هذا المقام: ما أعلم خلافًا بين السلف من الصحابة والتابعين في القول بالوليمة، وإجابة من دعي إليه. كما قال [11] الإمام الشافعي بعد أن تحدث عن الولائم: ومن تركها لم يبن لي أنه عاصٍ كما يبين لي في وليمة العرس؛ لأني لا أعلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ترك الوليمة على العرس، ولا أعلمه أولم على غيره.
لهذه الأسباب كان القول بوجوب صنع الوليمة أولى بالاعتبار. والله أعلم.
مشروعية وليمة العرس
(1) إلى تأكيد سنيتها ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة. حاشية رد المحتار جـ 6/ 347، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع جـ 2/ 138، دليل الطالب للشيخ مرعي بن يوسف/ 245.
(2) القريب من الحرام: ما تعلق به محذور دون استحقاق العقوبة بالنار بل العتاب كترك السنة المؤكدة. حاشية رد المحتار جـ 6/ 237.
(3) سورة الأحزاب من الآية 31.
(4) سورة الحشر من الآية 7.
(5) أخرجه أحمد من حديث بريدة، وقال الحافظ: سنده لا بأس به. فتح الباري شرح صحيح البخاري جـ 9/ 138، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للمباركفوري (ط دار الفكر - بيروت سنة 1995م) جـ 4/ 161.
(6) ولأبي الشيخ والطبراني في الأوسط من طريق مجاهد عن أبي هريرة رفعه: (الوليمة حق وسنة، فمن دعي فلم يجب فقد عصى) وقد ترجم البخاري لهذا المعنى بقوله في الصحيح: باب الوليمة حق. فتح الباري جـ 9/ 137، 138.
(7) وقد تحقق هذا المعنى فيما أخرجه الطبراني من حديث أسماء بنت عميس قالت: «لقد أولم علي بفاطمة، فما كانت وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته، رهن درعه عند يهودي بشطر شعير» فتح الباري جـ 9/ 148.
(8) فتح الباري جـ 9/ 138.
(9) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار لابن عبد البر (ط 2 - دار الكتب العلمية - بيروت) جـ 5/ 532.
(10) ابن عبد البر: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري، القرطبي المالكي، من كبار حفاظ الحديث، مؤرخ، أديب، بحاثة، يقال له: حافظ المغرب، ولد سنة 368هـ وتوفي سنة 463هـ من مؤلفاته: العقل والعقلاء، التمهيد، الاستذكار، جامع بيان العلم وفضله، الكافي، وغيرها كثير. الأعلام لخير الدين الزركلي (ط 15 - دار العلم للملايين - بيروت سنة 2002م) جـ 8/ 240.
(11) الحاوي جـ 9/ 555.