وقال العز بن عبد السلام رحمه الله في كتابه (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) :
"قاعدة: إذا تعذرت العدالة في الولايات العامة، والخاصة، بحيث لا يوجد عدل، ولّينا أقلهم فسوقًا، وله أمثلة:"
أحدها: إذا تعذر في الأئمة فيقدم أقلهم فسوقًا عند الإمكان، فإذا كان الأقل فسوقًا يُفرِّط في عُشر المصالح العامة مثلًا، وغيره يُفرِّط في خُمْسِها، لم تجز تولية من يفرط في الخمس، فما زاد عليه، ويجوز تولية من يفرط في العشر، وإنما جوزنا ذلك لأن حفظ تسعة الأعشار بتضييع العشر أصلح للأيتام، ولأهل الإسلام من تضييع الجميع، ومن تضييع الخمس أيضًا، فيكون هذا من باب، دفع أشد المفسدتين بأخفهما""
ثم قال في السياق ذاته"ولو ابتُلِيَ الناس بتولية امرأة أو صبي مميز يرجع إلى رأي العقلاء فهل ينفذ تصرفهما العام فيما يوافق الحق كتجنيد الأجناد وتولية القضاة والولاة؟ ففي ذلك وقفة."
ولو استولى الكفار على إقليم عظيم، فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر إنفاذ ذلك كله، جلبًا للمصالح العامة ودفعًا للمفاسد الشاملة، إذ يبعد عن رحمة الشارع ورعايته لمصالح عباده تعطيل المصالح العامة، وتحمل المفاسد الشاملة، لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها لمن هو أهل لها، وفي ذلك احتمال بعيد""
وقال في السياق ذاته:
"المثال الخامس: إذا تفاوتت رتب الفسوق في حق الأئمة، قدمنا أقلهم فسوقًا، مثل إن كان فسق أحد الأئمة بقتل النفوس، وفسق الآخر بانتهاك حرمة الأبضاع، وفسق الآخر بالتعرض للأموال، قدمنا المتعرض للأموال على المتعرض للدماء والأبضاع، فإن تعذر تقديمه، قدمنا المتعرض للأبضاع على من يتعرض للدماء، وكذلك يترتب التقديم على الكبير من الذنوب والأكبر، والصغير منها والأصغر على اختلاف رتبها"
فإن قيل: أيجوز القتال مع أحدهما لإقامة ولايته وإدامة تصرفه مع إعانته على معصيته؟ قلنا:
نعم، دفعًا لما بين مفسدتي الفسوقين من التفاوت ودرءًا للأفسد فالأفسد، وفي هذا وقفة وإشكال من جهة أنَّا نعين الظالم على فساد الأموال دفعا لمفسدة وهي معصية.
وكذلك نعين الآخر على إفساد الأبضاع دفعا لمفسدة الدماء وهي معصية، ولكن قد يجوز الإعانة على المعصية لا لكونها معصية بل لكونها وسيلة إلى تحصيل المصلحة الراجحة، وكذلك إذا حصل بالإعانة مصلحة تربو على مصلحة تفويت المفسدة كما، تبذل الأموال في فدى الأسرى الأحرار المسلمين من أيدي الكفرة والفجرة"."
ثم قال بعد ذلك رحمه الله:"ومبنى هذه المسائل كلها على الضرورات ومسيس الحاجات، وقد يجوز في حال الاضطرار ما لا يجوز في حال الاختيار"اهـ.