الصفحة 6 من 8

بالرغم من أن هذا النقل لا يختلف كثيرًا في مضمونه عن النقلين السابقين للجويني وابن تيمية إلا أن هذا النقل أكثر أهمية منهما لثلاثة أسباب:

ـ الأول أن العز رحمه الله ضبط المسألة في صورة قاعدة فقال"قاعدة: إذا تعذرت العدالة في الولايات العامة، والخاصة، بحيث لا يوجد عدل، ولَّينا أقلهم فسوقًا"ثم جعل يذكر تطبيقات هذه القاعدة، ثم ذكر في آخر كلامه مستند هذه القاعدة وهو الضرورة والتفريق بين حال الاختيار وحال الاضطرار، مما جعل كلامه أكثر ضبطًا وتحريرًا.

ـ الثاني: أنه صرح بذكر صورةً أخرى من صور ولاية من لا يصلح غير الفاسق وهى صورة الصبي المميز والمرأة، فبيَّن أنه لو ابتُلِي الناسُ بذلك ولم يجدوا منه محيصًا أن تصرفهم ينفذ فيما وافق الحق جلبًا للمصالح العامة ودفعًا للمفاسد الشاملة، فهذا حكم استثنائي للضرورة فلا يصح الاعتراض عليه بحديث"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"إلا ممن لم يفهم هذا الأصل الذي ذكرناه.

أما في حالة الاختيار فالأصل عدم جواز تولي المرأة الولايات العامة للحديث، مع تقرير الشرع لمكانة المرأة العالية في الإسلام وتجويز عملها في الساحات التي يكون عطائها فيه أجدى وأنفع بكثير من الرجل.

ـ الثالث: أنه رحمه الله قفز فوق ما وصل إليه شيخ الإسلام والجويني، فبينما وقف الإمامان عند مجرد جواز تولية من لا يصلح للضرورة، ذهب رحمه الله إلى جواز القتال معه لإقامة ولايته وإدامة تصرفه دفعا لما بين مفسدتي الفسوقين من التفاوت ودرءًا للأفسد فالأفسد.

وبعد هذا الكلام الثمين للأئمة الثلاثة رحمهم الله يتبين لكل أحد أن حال الضرورة له أحكامه الخاصة التي لا يصح الاعتراض عليها بالأحكام الأصلية ونصوصها، وأن جريان هذه القاعدة في أمور الولايات العامة أمر ثابت معمول به عند الأئمة، فلابد عند تطبيق النصوص وإنزال الأحكام على الواقع من مراعاة الضرورة والقدرة والعجز وليس في ذلك إهمال للنصوص أو مخالفة للشرع، بل ترك العمل بهذه القاعدة الشرعية هو عين الإفساد ومخالفة الشرع.

وأخيرًا لابد من الانتباه إلى عدة أمور:

ـ الأول: أنه عند تطبيق العلماء لقاعدة (الضرر يزال) فإنهم يأخذون بعين الاعتبار كل قواعدها وضوابطها المتفرعة عنها.

فالقاعدة الأصل أن (الضرر يزال) والواجب هو إزالة كل الضرر متى أمكن ذلك، فإن لم يمكن فبقدر المستطاع لقوله تعالى"فاتقوا الله ما استطعتم"وقوله"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت