الصفحة 4 من 8

وأكثر العلماء يقدمون ذا الدِّين، فإن الأئمة متفقون على أنه لا بد في المتولي من أن يكون عدلًا أهلًا للشهادة، واختلفوا في اشتراط العلم: هل يجب أن يكون مجتهدًا أو يجوز أن يكون مقلِدًا أو الواجب تولية الأمثل فالأمثل كيفما تيسر؟ على ثلاثة أقوال وبسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة إذا كان أصلح الموجود، فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال حتى يكمل في الناس ما لا بد منه من أمور الولايات والإمارات ونحوها، كما يجب على المعسر السعي في وفاء دينه وإن كان في الحال لا يطلب منه إلا ما يقدر عليه، وكما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"اهـ."

إذا تأملنا كلام شيخ الإسلام هذا وجدنا أنه يتسق تماما مع كلام الإمام الجويني حيث جوَّز ولاية الفاجر ذي الكفاية مع وجود التقي الضعيف، لأنه وإن كان فاجرًا إلا أنه سيكون هو الأصلح في هذا الموضع حيث قد تحتاج ولاية الجيش إلى القوة والشجاعة بقدر أكبر من احتياجها إلى التقوى والصلاح، إذا لم نجد القوي العدل الأمين.

وكذا يُجَوِّزُ تولي الفاسق القضاء إذا كان عالمًا واحتيج إلى علمه ولم نجد العالم العدل.

ثم يشير إلى أن ذلك كله إنما جاز على خلاف الأصل للضرورة فيقول"ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة إذا كان أصلح الموجود".

وأنه إنما جاز من باب دفع المفسدة الكبرى بارتكاب الصغرى، والمفسدة الكبرى هنا أن يترك محل الولاية شاغرًا، والمفسدة الصغرى أن يتولَّاها أصلح الموجودين، وإن كان لا يصلح في أصل الشرع.

وهذا ما ذكره الجويني أيضًا فقال"فإن تعطيل الممالك عن راعٍ يرعاها ووالٍ يتولاها عظيم الأثر والموقع في انحلال الأمور وتعطيل الثغور".

وبعد ما اتفق الإمامان على جواز تولية من لا يصلح تخريجًا على حال الاضطرار يتفقان أيضًا على وجوب العمل على إصلاحه والوصول إلى الصورة الأكمل التي تقترب من أصل الشرع، فيقول الجويني:

"فالظاهر عندي نصبه مع القيام بتقويم أودِه على أقصى الإمكان"

ويقول شيخ الإسلام"ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة إذا كان أصلح الموجود، فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال حتى يكمل في الناس ما لا بد منه من أمور الولايات والإمارات"اهـ.

ويشير كل واحد منهم أن هذا الإصلاح وإن كان واجبًا إلا أنه في حدود الطاقة والإمكان فإن الواجبات كلها تسقط بالعجز، والقاعدة المقررة"لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت