الصفحة 3 من 8

يرعاها ووال يتولاها عظيم الأثر والموقع في انحلال الأمور وتعطيل الثغور، فإن كنا نتوسم ممن ننصبه الانتداب والانتصاب للإمرة لما فيه من الكفاية والشهامة وكان مستقلا بنفض الممالك والمسالك عن ذوي العرامة، فنصْبُه أقرب إلى استصلاح الخلق من تركهم مهملين، ولا نعدل ما نتوقعه من الشر من فساده وبما ضرى به من شرته ما يَعِنُ من خبال الخلق إذا عدموا بطاشًا يسوسهم ويمنع الثوار الناجمين منهم، فإذن نصب من وصفناه في الصورة التي ذكرناها في حكم الضرورة"اهـ."

فانظر كيف جَوَّز رحمه الله تولية الفاسق ابتداءً وذكر في آخر كلامه أن ذلك مبني على الضرورة لا أنه الأصل، إذ لم يوجد غير هذا الفاسق ممن يصلح لهذا المنصب.

وفي قوله رحمه الله"وعسر انجرار العسكر دون مرموق مطاع، ولم نتمكن من تقى دَيِّن"إشارة إلى أن وجود التقي الديِّن وحده لا يكفي حتى يكون مرموقًا مطاعًا لأنه بغير ذلك لا تحصل به الكفاية والاستقلال وهما مدار أمر الولاية.

ولذلك يقول رحمه الله مبينًا أهمية صفة الكفاية والاستقلال في معرض المفاضلة بين مجتهد لا تحصل به الكفاية وذي كفاية غير مجتهد:"فالاستقلال بالنجدة والشهامة من غير اجتهاد أولى بالاعتبار والاختيار من العلم من غير نجدة وكفاية وكان المقصود الأوضح الكفاية، وما عداها في حكم الاستكمال والتتمة لها، وإذا عدمنا كافيا فقد فقدنا من يؤثر نصبه واليًا ويتحقق عند ذلك شغور الزمان عن الولاة"اهـ.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه (السياسة الشرعية) :

"اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم أشكوا إليك جلد الفاجر وعجز الثقة، فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة قدم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما ضررا فيها، فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور فيها على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينا، كما سئل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزي؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين فيغزى مع القوي الفاجر، وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم"إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"وروي"بأقوام لا خلاق لهم""

وقال بعد ذلك في الكلام على ولاية القضاء:

"وسُئل بعض العلماء: إذا لم يوجد من يُولَّى القضاء إلا عالمٌ فاسقٌ أو جاهلٌ دَيِّنٌ فأيهما يقدم؟ فقال: إن كانت الحاجة إلى الدِّين أكثر لغلبة الفساد قُدِّم الدَيِّن، وإن كانت الحاجة إلى العلم أكثر لخفاء الحكومات قُدِّم العالم،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت