الصفحة 4 من 62

فإن قالوا: الناس مخاطبون على أفهامهم. قلنا: فليفهموا من اللفظ مقتضاه لا ما تواضعوا عليه، ولو تواضع قوم على تخصيص أو تعميم ثم طرقهم آخرون لم يشاركوهم في تواضعهم فإنهم لا يلتزمون أحكام تواطئهم، فالشرع وصاحبه كيف يلزمهم حكم تواضع المتعاملين, وقد خاطب المصطفى بشريعة العربية الأعاجم على اختلاف لغاتها على تقدير أن يسعوا في درك معاني الألفاظ التي خوطبوا بها، والمسألة موضوعة فيه إذا لم يكن الرسول صاحب الشريعة ناطقا بما ينطق أهل العرف فلو ظهر منه مناطقة أهل زمانه بما اصطلحوا عليه فلفظه في الشرع لا ينزل على موجب اللسان. وإنما مأخذ المسألة في ظن الخصوم أن الشارع وإن لم يكن من الناطقين باصطلاح أصحاب العرف فإنه لا يناطقهم إلا بما يتفاوضون به وليس الأمر كذلك كما قدمناه" [1] ."

وقال الآمدي في كتابه"الإحكام" [2] :"المسألة الثامنة": اختلفوا في مسمى الصحابي؛ فذهب أكثر أصحابنا وأحمد بن حنبل إلى أن الصحابي من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - . وذهب آخرون إلى أن الصحابي إنما يطلق على من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - واختص به اختصاص المصحوب وطالت مدة صحبته وإن لم يرو عنه.

وذهب عمر بن يحيى إلى أن هذا الاسم إنما يسمى به من طالت صحبته للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأخذ عنه العلم. والخلاف في هذه المسألة وإن كان آيلا إلى النزاع في الإطلاق اللفظي فالأشبه إنما هو الأول.ويدل على ذلك ثلاثة أمور:

الأول: أن الصاحب اسم مشتق من الصحبة والصحبة تعم القليل والكثير ومنه يقال صحبته ساعة وصحبته يومًا وشهرًا وأكثر من ذلك، كما يقال فلان كلمني وحدثني وزارني وإن كان لم يكلمه ولم يحدثه ولم يزره سوى مرة واحدة.

الثاني: أنه لو حلف أنه لا يصحب فلانا في السفر أو ليصحبنه فإنه يبر ويحنث بصحبته ساعة.

(1) ..."البرهان" (1/296) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت