2-وهنا مسألة ثانية ألا وهي: أن الهجرة من مكة إلى المدينة لم تتوقف على الراجح من أقوال العلماء إلا بفتح مكة فكل من أسلم وهاجر وتمكن من ذلك فهو من المهاجرين, وإن كانت الهجرة تتفاوت فمن هاجر في بداية الدعوة أعظم أجرا ممن هاجر بعد كما قدمناه في بيان تفاوت الصحبة.
قال ابن عبد البر في"التمهيد"؛ بعد أن ذكر حديث بريدة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا ثم قال: (( اغزوا بسم الله وفي سبيل الله تقاتلون من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال.... ) ).
قال أبو عمر: هذا من أحسن حديث يروى في معناه إلا أن فيه التحول عن الدار وذلك منسوخ؛ نسخه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (( لا هجرة بعد الفتح ) ), وإنما كان هذا منه صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة فلما فتح الله عليه مكة قال لهم: قد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية إلى يوم القيامة [1] .
ويدل على ذلك أيضًا: ما رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير"باب لا هجرة بعد الفتح":
1-عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة: (( لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا ) ) [2] .
2-عن مجاشع بن مسعود قال: جاء مجاشع بأخيه مجالد بن مسعود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: هذا مجالد يبايعك على الهجرة فقال: (( لا هجرة بعد فتح مكة ولكن أبايعه على الإسلام ) ) [3] .
3-عن عطاء قال: ذهبت مع عبيد بن نمير إلى عائشة رضي الله عنها وهي مجاورة بثبير فقالت لنا: انقطعت الهجرة منذ فتح الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - مكة [4] .
(1) ..."التمهيد" (2/218) .
(2) ..."البخاري" (3077) .
(3) ..."البخاري" (3078) .
(4) ..."البخاري" (3080) .