والشاهد على ذلك الواقع الذي نعيشه، فإذا نظرنا إلى طوائف أهل العلم - على اختلاف تخصصاتهم - نجد معظمهم يجمع بين العقلانية وضدها فَهُم علماء - في تخصصاتهم - باسم العقل والعقلانية والفكر العلمي، لكن منهم من يؤمن بخرافات الصوفية والشيعة، و منهم من يؤمن بأساطير الهندوس والبوذيين، و اليهود والنصارى، و منهم من يؤمن بخرافة الداروينية والصدفة، والمادية الجدلية، ومنهم ... ومنهم ... و لم ينج من ذلك إلا قلة من هؤلاء العلماء، و هم الذين استقام منهجهم العلمي، الذي أقاموه على النقل الصحيح، والعقل الصريح، والعلم الصحيح. ومن ينحرف عن هذا المنهج فإنه سيبتعد عن العقل والعقلانية بقدر ابتعاده عنه.
و أشير هنا إلى أمر هام جدا، مفاده هو أن الله تعالى أشار في كتابه العزيز إلى ثلاثة أنواع من العقلانية: أولها العقلانية الفطرية، وهي التي خلقها الله تعالى في كل بني آدم لقوله سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} -سورة الروم:30 - ، هذه العقلانية هي التي كثيرا ما خاطبها الله تعالى و ركّز عليها لإيقاظها و وإحيائها باستخدام عبارات تُحدث ذلك في الإنسان، كقوله سبحانه: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} -سورة البقرة:44 - ، و {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} -سورة الأنعام:50 - ،و {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إلى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} -سورة يونس:35 - ،و {يَا أَيُّهَا الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} -سورة الانفطار:6/ 7 - ، و {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ} سورة الانفطار:8 - .
وأما الثانية: فهي العقلانية المؤمنة التي جمعت بين عقلانية الفطرة وعقلانية الإيمان، فتكونت بذلك عقلانية مؤمنة متوازنة قوية أصلها ثابت وفرعها في السماء. و قد وردت صفات هذه العقلانية في نصوص شرعية كثيرة، منها قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} -سورة آل عمران:191 - ،و إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا