ويتبين من ذلك أن العقلاني ليس هو الذي عنده عقل، ولا الذي يستخدمه فقط، وإنما العقلاني هو الذي يحتكم إلى العقل، ويلتزم به ويأخذ بموجباته في كل أحواله, و من لا يلتزم بذلك فهو ليس عقلانيا. وعليه فإن العقلانية هي ممارسة فكرية تحتكم إلى العقل وتلتزم بأحكامه. ولنكون أكثر صوابا، وفاعلية وايجابية، يجب أن نضع العقل في مقامه الصحيح بلا إفراط ولا تفريط من جهة، وتتصف بالإخلاص والتجرد والحياد والموضوعية من جهة أخرى. و قمة العقلانية هي الجمع بين النقل الصحيح والعقل الصريح والعلم الصحيح.
والعقلانية نوعان أساسيان: الأولى هي العقلانية الفطرية الطبيعية التي جبل عليها العقل الإنساني، وتقوم أساسا على البديهيات والعقل الصريح الخالي من الخلفيات المذهبية والمصالح الدنيوية المغرضة.
وأما الثانية: فهي العقلانية العقدية أو المذهبية التي تقوم على العقائد والمذاهب التي يعتنقها البشر. و هذا يعني أن هذا النوع من العقلانية ليس عقلانية واحدة وإنما هو يتضمن عقلانيات كثيرة ومتنوعة حسب تعدد الأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية. وهذه العقلانية - وإن كانت قائمة على العقلانية الأولى - فهي ليست فطرية والغالب عليها أنها ليست قوية ولا مقنعة كالأولى، لأنها فقدت قوتها وبديهيتها بسبب الأفكار التي اعتنقتها. و بمعنى آخر أنها عقلانية مكتسبة، فإذا لم تقم على الدين الصحيح والفكر السليم، والنظر المستقيم، والسلوك القويم، فإنها تنشأ نشأة منحرفة ضررها أكبر من نفعها من جهة، وتفسد العقلانية الفطرية، وتمسخها وتسخّرها لخدمة مصالحها من جهة أخرى. و أما إذا قامت على الدين الصحيح والعقل الفطري الصريح، والعلم الصحيح فستكون نموذجا رائعا للعقلانية الصحيحة، وتمثل قمة العقلانية وطريقا إلى العبقرية المؤمنة التي تسعد صاحبها في الدنيا والآخرة معا.
و للعقلانية مجال يضيق ويتسع، حسب التزام صاحبها بالعقلانية وشروطها. لذا فإن الناس يجمعون بين العقلانية واللاعقلانية، فمنهم من يتسع عنده مجال العقلانية ويضيق مجال اللاعقلانية، و منهم من عقلانيتهم عكس الحالة الأولى.