تعد القضايا الفكرية المتعلقة بالوحي والعقل، وسلطة كل منهما من أهم القضايا التي شغلت العقل الإنساني قديما وحديثا، وهي من الأهمية بمكان، نظرا لارتباطها الوثيق والمباشر بالدين وحياة الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة. وقد خاض فيها كثير من أدعياء العقلانية بحق وبغير حق، وبعلم وبدون علم، وأثاروا حولها الشبهات والمزاعم، والأباطيل طعنا في الدين، وانتصارا لأهوائهم وظنونهم ومصالحهم المذهبية والمادية. فما تفاصيل ذلك؟ وما وجه الصواب فيه؟
أولا: تحديد مفهوم العقلانية على ضوء الوحي والعقل:
يدعي أدعياء العقلانية - كالذين نرد عليهم في كتابنا - أنهم عقلانيون، و أصحاب العقل والعقلانية، في كثير مما كتبوه عن الدين والعقل، والتراث والعلم [1] . فمن هو العقلاني؟ وما هو تعريف العقلانية وشروطها؟ وهل كان هؤلاء عقلانيون فيما كتبوه في مؤلفاتهم؟.
وعليه فمن هو العقلاني؟ فهل هو الذي عنده عقل، أو هو الذي يستخدم العقل؟ واضح جدا أن العقلاني ليس هو الذي عنده عقل، و إلا لكان كل بني آدم عقلانيين. وهذا لا يصح لأنه يتناقض مع الواقع المشاهد، فهو يشهد على أن البشر متناقضون في سلوكياتهم وأفكارهم، وكثير منهم يتعمد الظلم والغش والقتل، ويرتكبون مختلف أنواع الانحرافات والمنكرات، ويؤمنون بالأفكار والمذاهب والعقائد المليئة بالأساطير والمتناقضات المخالفة للشرع والعقل والعلم. وهذا يصدق على الأفراد و الجماعات، والشعوب والأمم في الصين والهند، والغرب والشرق، وفي كل بقاع الأرض، فهؤلاء ليسوا عقلانيين.
لكن هل يعني ذلك أن العقلاني هو الذي يستخدم عقله؟ كلا، ليس العقلاني هو الذي يستخدم عقله؛ لأن القول بذلك يستلزم أن كل البشر عقلانيون بحكم أن كلهم يستخدمون عقولهم بالضرورة وهذا لا يصح، وواقع الناس شاهد على خلاف ذلك.
(1) - سيأتي توثيق ذلك من خلال كتابنا هذا.