الصفحة 42 من 643

وقوله هذا فيه حق وباطل، وفيه تدليس على القراء أيضا. لأن القدح في العقل قد يكون قدحا في الشرع، كأن ننفي عنه ما أثبته الشرع له. كإنكار قدرة العقل على الفهم والبحث، واكتشاف قوانين وحقائق الطبيعة والعمران. فهذا القدح في العقل، هو في الحقيقة قدح في الشرع أيضا، لأن الشرع نفسه نصَّ على أن العقل قادر على القيام بذلك، وأمره به، وحثه عليه في نصوص كثيرة، كقوله سبحانه: «وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ» -سورة الجاثية:13 - ،و «قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ» -سورة آل عمران:137 - ، و «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ» -سورة العنكبوت:20 - .

وأما القدح في الوحي الحق -النقل الصحيح-، فهو قدح في العقل بالضرورة، وهذا لا يصدر عن العقل البديهي الصريح، وإنما يصدر عن أهل الأهواء والضلال، ويقولون به، ويطرحونه مغلفا بشبهاتهم باسم العقل والعقلانية، مع أن الحقيقة هي أن العقل الصريح بريء من ذلك تماما. لذا فإن من يقول: إن العقل أساس الشرع، وأسبق منه فهو في الحقيقة يطعن في العقل والشرع معا.

وبناءً على ذلك فإنه يمكن أن نقول: إن القدح في العقل لا يستلزم القدح في الشرع، لكن القدح في الشرع -الوحي الحق- يستلزم القدح في العقل بالضرورة. وهذا هو الذي لم يقرره حسن حنفي، فهو قرر أن القدح في العقل يقدح في الشرع، من دون أن يحدد الحالة التي يصدق عليها ذلك من جهة، ولم يعكس المقولة من جهة أخرى، بأن يقول: إن القدح في الشرع، يقدح في العقل بالضرورة. فهو لم يقرر ذلك، لأنه لو قرره، لنقض مقولة: إن العقل أساس الوحي، وأسبق منه. لم يقررها ليس لأنها باطلة، وإنما لأنها تُبطل مزاعمه وشُبهاته حول دعوى أسبقية العقل على النقل.

وأما ما نقله الرجل عن الشيخ ابن تيمية، فإنه لم يكن أمينا في نقل كلام الشيخ، و وجهه لتأييد رأيه، خلاف ما أراده الشيخ من كلامه من جهة أخرى. وذلك أنه -أي ابن تيمية- قال: «وإذا كان الأمر كذلك، كان القدح في الشرع قدحًا في دليله العقلي الدال على صحته بخلاف العكس. فكان القدح في الشرع قدحا في هذا العقل. وليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت