وضعف، وليس عن كمال و استقلالية كما هو الحال مع الشرع. لذا فإنه-أي العقل- لا يستطيع الاستغناء عن الشرع أبدا، وإذا ما تمرد على الشرع، فإنه سيظل و يتيه، ويخسر سعادة الدنيا والآخرة، لقوله سبحانه: «وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فإن لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى» -سورة طه: 124،125 - ،و «َمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا» -سورة الأحزاب:36 - .
وثانيا إن قوله بأن الدليل الشرعي لا ينقض الحجة العقلية إن وجدت. فالأمر لا يطرح بهذه الطريقة. ولا يصح طرحه بها، لأن النص الشرعي الصحيح، لا يمكن أن يناقض الدليل العقلي الصحيح، ولا الدليل العقلي الصريح يناقض الدليل الشرعي الصحيح. لأن الحق واحد، ولا يتعدد، ولا ينقض أحدهما الآخر وفي هذه الحالة، يحدث تطابق واتفاق بينهما، وإذا غاب أحدهما ناب عنه الآخر، وبأيهما أخذنا فنحن على حق وصواب. علما بأن الدليل الشرعي الصحيح ينقض الدليل العقلي غير الصحيح. والدليل العقلي الصحيح ينقض الدليل الشرعي غير الصحيح. وأما زعمه بأن النُصوص الشرعية هي نفسها عقل أو واقع، وأنها عقل، لأنها قائمة عليه. فهذا كلام فيه تغليط وتدليس على القراء، ولا يصح على إطلاقه. لأن الوحي-في ذاته- ليس عقلا، ولا واقعا، ولا فكرا، وإنما هو كلام الله تعالى، كله حق وعلم و يقين، ومع أنه موافق لبدائه العقول، و لصحيح الواقع الطبيعي والبشري، فإنه- مع ذلك - ليس عقلا، ولا واقعا، وإنما هو كلام الله موافق للحق الذي في العقول والواقع من جهة، ومُهيمن على كل ذلك بحقه ويقينه و مصدره من جهة أخرى.
والموقف الثامن يتعلق بمحاولة بعض أدعياء العقلانية الانتصار لحكاية العقل أساس النقل باسم الشرع نفسه من جهة، ثم الطعن في الشرع بالشرع نفسه من جهة أخرى. من ذلك أن حسن حنفي قال: إن العقل أساس النقل، وكل من يقدح في العقل يقدح في النقل، لموافقة صحيح المنقول لصريح المعقول عند ابن تيمية السلفي الذي قال بموافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، وأن القدح في العقل قدح في النقل [1] .
(1) حسن حنفي: الدين والثورة في عصر ج7،ص:207،ج8،ص:263.ومن العقيدة إلى الثورة، ج1،ص:294