الصفحة 40 من 643

،ويصبح الصواب في ذلك هو: إذا غاب الدليل العقلي، و ُُوجد الدليل الشرعي فهو حق ويقين، وكاف بنفسه، ويغنينا عن الدليل العقلي الغائب. وإذا وُجد الدليل العقلي الصحيح، وغاب الدليل الشرعي، أخذنا بالدليل العقلي الصحيح. وأما إذا اجتمع الدليلان الشرعي، والعقلي الصحيح، أخذنا بهما معا، ولا تناقض في ذلك. فهما هنا يتطابقان، ولا يتناقضان فيحدث بينهما الاتفاق والتطابق. علما بأن الأسبقية في الأصل للشرع لا للعقل كما سبق أن بياناها.

وبذلك يتبين أن فكرة الاستغناء لا تصح بين الدليل الشرعي، والدليل العقلي الصحيح. لكن أحدهما قد يستغني عن الآخر، إذا كان أحدهما غير صحيح. وهذا يحدث من حيث التطبيق العملي. وأما من حيث الأصل، فإن العلاقة بين الوحي والعقل، ليست علاقة تناقض، ولا تنافر ولا صراع، ولا اصطدام، وإنما هي علاقة أولوية وتطابق، لأن الشرع هو الأصل، والعقل فرع عليه وتابع له، على أساس العلاقة بين الخالق والمخلوق. فجاء الوحي معبرا عن ذلك من جهة، ومنقذا للإنسان ليُوصله إلى خالقه ويعرّفه بالمهمة الأساسية التي خلقه من أجلها من جهة أخرى. و هذه العلاقة لن يستطيع العقل وحده الوصول إلى تقريرها بطريقة صحيحة، ويقينية إلا عن طريق الوحي الحق. وفي هذه الحالة يكون العقل وسيلة لفهم الوحي، وليس أصلا له. فلا العقل الصريح يستطيع الاستغناء على الشرع الصحيح. ولا الوحي جاء لتعطيل العقل وإبعاده عن فهم الشرع وتسخير الطبيعة لصالحه. وإنما وضعه في مكانه الصحيح والمناسب له.

وعليه فإن حاجة الشرع إلى العقل، هي حاجة وسيلة للفهم، وليست عن نقص وقصور في الشرع، فهي حاجة عن كمال و حكمة، بحكم أن الطريقة التي اختارها الله تعالى ليُخاطب بها عباده هي أنه جعل اللغة وسيلة لذلك. لقوله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ-سورة إبراهيم:4 - ،و بذلك أصبح العقل وسيلة ضرورية لفهم الوحي. وهذا خلاف حاجة العقل إلى الشرع، فحاجته إليه عن نقص وقُصور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت