الصفحة 39 من 643

فَهِمه الإنسان أو لم يفهمه، اكتشف أسراره أو لم يكتشفها. لكن أحكام العقل ليست كذلك. فهي نسبية تحتمل الخطأ والصواب، و تجمع بين اليقين والظن، والترجيح والاحتمال. فأحكامه ليست صحيحة بالضرورة، وهذا خلاف حال الوحي الصحيح. فهو حق ويقين، بالضرورة.

وأما الموقف السابع فيتعلق بدعوى حسن حنفي أن النص الشرعي لا يُغني عن الدليل العقلي عند غيابه، فزعم أن «الأدلة العقلية كل منها يصدر عن الآخر. فإن الموضوع يتحدد ببداهة العقل، والنص لن يُغني عن الدليل العقلي إذا غاب، ولا ينقض الحجة العقلية إن وُجدت. والنُصوص نفسها إما عقل، أو واقع، هي عقل لأنها قائمة على العقل. فلا يوجد شيء في النص إلا ما اُعتمد على العقل أولا ... » [1] .

وأقول: أولا أنه ليس صحيحًا أن موضوع الأدلة العقلية يتحدد ببداهة العقل، لأن هذا حكم عام لا يصدق على كل مواضيع الأدلة العقلية، وإنما يصدق على بعضها. وذلك لأن الأدلة العقلية لا تقوم كلها مباشرة على بدائه العقول- التي هي منطلقات أولية يقينية- وإنما هي تقوم على مقدمات مختلفة من حيث القوة والضعف من جهة، كما أن بدائه العقول تفقد بداهتها بتشعب الفكر والبحث من جهة أخرى. فتتدخل الظنون، والاحتمالات، والأهواء والتعصبات، والشكوك والترجيحات. وهنا لا تصبح أدلة العقل يقينية، وإنما تصبح خليطا من الخطأ والصواب، والشك واليقين، و من ثم لا تصبح أدلة العقل يقينية بالضرورة، كما أراد أن يوهمنا به حسن حنفي.

وأما زعمه بأن النص الشرعي لا يُغني عن الدليل العقلي عند غيابه، فإنه زعم باطل شرعا وعقلا. لأن النص الشرعي بذاته حق وعلم ويقين، وهذا خلاف الدليل العقلي الذي هو نسبي، وأحكامه خليط من الظن واليقين، والترجيح والاحتمال، والخطأ والصواب. و هذا يعني أن الدليل الشرعي يغني وحده عن الدليل العقلي إذا لم يكن يقينًا. ومن ثم فلا يصح إصدار الحكم الذي قاله حسن حنفي، ويجب تقييده

(1) من العقيدة إلى الثورة ج1،ص:/203

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت