والعصبيات، والمصالح الدنيوية، ولا تضمن للإنسان السعادة الحقيقية في الدنيا، وإن حققت له جانبا منها، فإنها بالتأكيد لن تضمن له السعادة الأخروية، ولن تُنجيه من جهنم و بئس المصير. فلا شك أن العقل الصريح يفضل شريعة الله على شريعة الإنسان. لكن حسن حنفي عكس الأمر لأنه لم يتبع عقله، وإنما اتبع رغباته وأهواءه ومصالحه الدنيوية.
علما بأن سلطة الشرع، لا تلغي العقل ولا تجمد الفكر، ولا يسود فيها الانفعال كما زعم حسن حنفي. فالشرع ليس جمودا، ولا انفعالا، ولا هو عدو للعقل، وإنما هو حق وعلم، و نور وهداية، وبرهان ويقين، وعاصم من الزلل. يأمر بالاجتهاد واستخدام العقل لفهم النُصوص، واكتشاف قوانين الطبيعة، لتسخيرها لصالح الإنسان، وفق المنهج الشرعي الشامل الكامل القائم على الوحي الصحيح أولا، و العقل الصريح ثانيا، والعلم الصحيح ثالثا. لقوله تعالى: «وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا» -سورة الإسراء:36 - ،و «وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» -سورة الجاثية:36-، و «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا» -سورة محمد:24 - ،و «قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ» -سورة النمل:64 - .
وثانيا إن اعتراضات الرجل المتعلقة بالمتناظرين، فهي لا تصح عندما يلتزم المتناظران بالمنهج الشرعي في الجدال الحي، والمناظرة البريئة إلزامية للوصول إلى الحق. وفي هذه الحالة لا تحدث أي إساءة للنص، فلا يُحرّف ولا يُخرج من سياقه، ولا يحدث انتقاء للنصوص، ولا إغفال لها، ولا ينتهي الأمر إلى معركة بين النصوص، وإنما ينتهي إلى الاتفاق والإقرار بالحق في الغالب الأعم.
وأما ما حذَّر منه الرجل فهو يحدث عندما تكون المناظرة قائمة على انحراف في المنهج والقصد. كعدم الالتزام بالمنهج الشرعي في التفسير والاجتهاد، وعدم إخلاص النية من أجل الحق، و إنما هي طلبا للشهرة والغلبة، وانتصارا للمذاهب الباطلة. فالعيب ليس في الشرع ولا في منهجه وإنما هو في المتناظرين. وهذا ليس خاصا بالمتناظرين في الشريعة، وإنما هو يشمل كل المتناظرين على اختلاف