،يكون فيه النص حجة للإقناع، وحكم للتنفيذ ولكن «عيوب هذا المنهج هو أنه يبدأ من خارج الواقع، أي لا يتعرض لمشكلة واقعية تحدث في حياتنا. كما أنه يعتمد على سلطة الوحي، وليس على العقل. وفي غياب العقل يسود الانفعال. كما أن هذا المنهج كثيرا ما يُسيء تفسير النص، يُخرجه عن سياقه. كما أن اختيار النص يقوم على ما يريد المحاور إثباته، والمحاور الآخر يجد أيضا نصا في صفه يُفسره لصالحه، ويُخرجه أيضا عن سياقه. وينتهي الأمر إلى معركة بين النصوص ... ويصبح واقعنا فيه قولان. لذلك جعل القدماء كل الحجج النقلية ظنية. وأن كل النُصوص مهما تظافرت على شيء، فإنها تظل ظنية، ولا ترتقي إلى مرتبة اليقين، فاليقين لا يحدث إلا بالعقل» [1] .
و أقول: إن قوله هذا غير صحيح في معظمه، لأنه أولا إن منهج الاستدلال الشرعي، هو منهج شامل كامل لا عيب فيه، مأخوذ من القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، وليس كما زعم الرجل بأنه منهج غير واقعي، بل هو منهج واقعي عملي، هدفه تغيير الواقع على أساس من الشرع. لذا عندما نزل الوحي شرع مباشرة في تغيير المجتمع، والتفاعل معه وتوجيهه الوجهة الشرعية نحو الهدف الذي أُرسل من أجله رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لقوله تعالى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ» -سورة الجمعة:2 - . لذا نزل الوحي منجمًا حسب مراحل الدعوة والتشريع، ومتطلبات الواقع. وما التدرج في تحريم الخمر إلا نموذج عملي دامغ على ما قلناه، و على بطلان ما ادعاه حسن حنفي.
وأما إذا كان يقصد باعتراضه، بأن الوحي نزل في زمن قد فات، ولا يصلح لزماننا الحاضر. فهذا اعتراض لا يصح، لأن التشريع الإسلامي، تشريع رباني شامل خالد صالح لكل زمان ومكان، جمع بين الثوابت والمتغيرات. فالثوابت من عقائد، وعبادات وأخلاق وأصول التشريع والعبادات لا تتغير أبدا، وإذا انحرف عنها المجتمع الإسلامي فيجب عليه أن يعود إليها، لأن الشريعة هي الحكم، وليس
(1) حسن حنفي: الدين والسورة في مصرج8 ص:82.