وهذا الانتقاد -الذي وجهه للفلاسفة- هو في الحقيقة انتقاد لاذع للعقل الذي قدمه حسن حنفي و بالغ في تعظيمه. و هو قد هدمه من جهة أخرى عندما اتهمه بعدم الموضوعية، وأنه في خدمة كل من يريده، فهو مُتعدد الخدمات، جاهز للقيام بأي دور يُطلب منه. إنه يبرر كل شيء، ويسير في كل طريق. من دون اعتراض!!.فأين الموضوعية والنزاهة والبداهة، والحياد؟!. هذه هي بعض الصفات التي وصف بها حسن حنفي العقل الإنساني. فلماذا تخلى عنها، ولم يلتزم بها، وجعل نفسه في خدمة كل من يطلبه بحق وبغير حق. فهذا العقل هو الذي قدسه حسن حنفي وقدمه على كلام الله، وجعله حكما عليه!!.فالرجل سب العقل وطعن فيه، واتهمه بالنفاق، و سابقا كان قد قدّسه و ألّهه!!.
ومن تناقضاته أيضا، أنه سبق أن زعم بأن الدليل الشرعي لا سبيل إلى فهمه، بسبب عوائق اللغة، والرواية والتفسير، لذا فهو ظني دوما، ولا يثبت شيئا. لكنه نقض زعمه عندما زعم أيضا أن العقل يقضي على كل لبس في فهم النصوص الشرعية [1] . فهذا تناقض واضح! فلماذا لم تعُقه تلك العوائق؟. وكيف استطاع أن يصل إلى ذلك الفهم الذي زعم أنه فهم صحيح للشرع؟. وألا يعني ذلك أن النص الشرعي له مضمون موضوعي ثابت يمكن فهمه فهما صحيحا وعلى حقيقته؟. إن الرجل متناقض مع نفسه، اثبت هنا ما نفاه هناك. وهو هنا قد نصَّ على ما أكده الشرع عليه بأن الوحي الإلهي مُحكم مُبين واضح مُفصل، يمكن للعقل أن يفهمه إذا التزم بالمنهج الصحيح في الفهم، لقوله تعالى: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا» -سورة محمد:24 - ، و «فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَابِ» -سورة آل عمران:7 - .
والموقف الخامس يتعلق بإظهار حقيقة موقف أدعياء العقلانية في حرصهم على الزعم بأن العقل أساس الوحي، وأنه أسبق منه. وقد أفصح عن هذا، حسن حنفي بتعبير واضح لا لُبس فيه، عندما زعم أن عبارة: قال الله، وقال الرسول، لا تعتبر
(1) سبق توثيقه.