الصفحة 28 من 643

ومما يُبطل زعمه أيضًا أنه هو شخصيًا رد على نفسه وناقضها، عندما قرر ما يخالف زعمه السابق في مواضع كثيرة من كتبه. فمن ذلك أنه كان قد مدح المعتزلة والمتكلمين والفلاسفة و وصفهم بأنهم أصحاب العقل والبرهان، واستشهد بمواقفهم عندما زعم أنهم أجمعوا على أن العقل أساس الشرع. لكنه عاد مرة أخرى وذم علم الكلام وأهله، ودعا إلى تغييره، ونزع صفة العلم عنه [1] .و الشاهد هنا هو أن هؤلاء كانوا من أهل العقل والعقلانية حسب حسن حنفي. والعقل أحكامه بديهية ويقينية عند الرجل. فلماذا لم يُوصل أهله إلى اليقين والبداهة، والحق والوضوح في أحكامهم وعلمهم؟!. ولماذا اختلفوا ولم يجمع العقل بينهم، وهو الذي قدسه الرجل وقدمه على الشرع؟! ولماذا لم يوصلهم إلى اليقين والصواب؟!.

ومن ذلك أيضا أنه انتقد منهج التفسير الذي اتبعه الفلاسفة المسلمون، فذكر أن من عيوبه الوقوع في «التأمل النظري الخالص، والشطحات الفلسفية، والنظريات البعيدة عن التصديق. إذ أن العقل قادر على تبرير كل شيء، وعلى السير في كل طريق» [2] .

و قوله هذا، كلام صحيح، انتقد فيه الفلاسفة، ورد به حسن حنفي على نفسه!. فأين اليقين الذي قدمه العقل لهؤلاء الفلاسفة؟. وأين البديهيات التي ينطلق منها العقل في أحكامه، ويوصله إلى الحقائق؟!. وأين هذا العقل الذي لا يعجزه شيء على حد زعم حسن حنفي؟. وأين هو لكي ينقذ هؤلاء مما وقعوا فيه؟. ولماذا تركهم وقعوا في الأخطاء والشطحات والنظريات البعيدة عن التصديق؟!. إن هؤلاء الفلاسفة جمعوا بين الانحراف في المنهج والتطبيق، فأين العقل اليقيني والبديهي المزعوم، ليُجنب هؤلاء مما وقعوا فيه؟!. فأين هذا العقل الذي قدمه حسن حنفي وجعله أسبق من الشرع ليُنقذ هؤلاء مما تورطوا فيه؟ لا جواب صحيح على هذه التساؤلات، لأنه لا وجود لهذا العقل المزعوم أصلا، و إنما هو من أوهام الرجل ومغالطاته.

(1) سنفصل في هذا الموضوع في الفصل الخامس إن شاء الله تعالى.

(2) حسن حنفي: الدين والثورة: ج7 ص91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت