لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ -سورة يونس:15 - .
وأما العقل الإنساني فليس هو الذي يعرض الوحي، وإنما هو يقرأه، ويطلع عليه ويفهمه، ولا يستطيع التأثير في مضمونه. والعكس هو الصواب، فإذا اتبع الإنسان منهج القرآن في فهمه، يكون أكثر صوابا و فهما له. وإذا قرأه بمنهج أهل الأهواء والضلال والتحريف، فإنه لن يفهمه فهما صحيحا كاملا، ولا ينتفع به، إلا قليلا، لأن القرآن في هذه الحالة يزيده ضلالا وبعدا عن الحق، لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانهم وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي القرآن وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} -سورة الإسراء:46 - .
ومن ذلك أيضا أنه عندما يؤلف كاتب كتابا ما، فإنه يعرض فيه فكره ومنهجه، ومواقفه من الفضائيات التي تناولها فيه، فهو الذي يتحدث عن نفسه وفكره. وليس قُراء كتابه هم الذين يفعلون ذلك. فهم يقرؤون كتابه، ولا يتدخلون في مضمُونه. والكتاب هو الذي يعرض فكر صاحبه ويدافع عنه في حياته ومماته. فاللغة وسيلة نقرأ بها القرآن الكريم، ومؤلفات البشر، ولا دخل لها في تفسير مضمون أي كتاب وهذا خلاف ما أراد أن يوهمنا به حسن حنفي.
وفيما يخص زعمه بأن الوحي لا يُثبت شيئا وإنما هو الذي في حاجة إلى إثبات، فهو زعم باطل أيضًا، لأن الوحي الصحيح كله حقائق وعلوم ولا يحتاج إلى عامل خارجي لإثباته، لأنه يحتوي بداخله على أدلة وبراهين صادقة من جهة، ولا يحتاج إلى العقل ليجعل مضمونه صادقا صحيحا من جهة أخرى. لكنه -أي العقل -هو الوسيلة التي يتمكن بها الإنسان من الإطلاع بها على كلام الله وفهمه، والكشف عن براهينه، ومعطياته، ومعجزاته، التي يفرض بها الوحي نفسه على العقل كأدلة قاطعة دامغة على أنه كلام الله من جهة، ويتحداه على أن يأتي بمثله من جهة أخرى. فالعقل وسيلة، وليس هو الذي يُعطي للوحي صدقه، وصلاحياته و إعجازه. لكنه هو الذي يفهمه، ويكشف عن إعجازه، وأسراره وحِكَمه، ويتبين له أنه كلام الله حقا وصدقًا.