الصفحة 26 من 643

حولها خلاف بين أهل العلم. وعليه فإن العقل كما أنه قد ينطلق من اليقين والبديهة، فإنه قد ينطلق أيضا من الظن، والشك، والاحتمال، والفرض. وهذا أمر ثابت لا جدال فيه، وهو من أبجديات التفكير العلمي.

فاليقين إذا ليس حكرا على العقل، ولا هو من ضرورياته في كل أحكامه. وهذا خلاف حال الشرع الذي هو كله حق، وعلم، ويقين، ونور، وبرهان. بغض النظر عن العقل أَفَهِم الشرع فهما صحيحا أم أخطأ في فهمه؟. فهذا لا يُغير من حقيقة مضمون الشرع أصلا. فهو حق ويقين في ذاته لا يتغير ولن يتغير، سواء فهمه الإنسان أم لم يفهمه. لكن الرجل عكس الأمر، وأراده عوجًا طعنًا في الدين وانتقاصًا من مكانته، وانتصارا للباطل الذي قال به.

وبذلك يتبين أن زعمه بأن الوحي -أي النقل- هو مجرد ظن، وأنه دون العقل، هو زعم باطل، لا دليل عليه من الشرع، ولا من العقل، لسبب بديهي هو أن الشرع كلام الله ورسوله، وبما أنه كذلك، فبالضرورة أنه حق ويقين. و هذا خلاف الدليل العقلي الذي هو دليل نسبي محدود، يجمع بين اليقين والشك، والظن والاحتمال. وبما أن الدليل الشرعي هو حق وعلم في ذاته فلا يمكن للدليل العقلي أن يتقدمه، ولا يكون أساسا له، ولا يزاحمه، ولا يساويه ولا يُضفي عليه اليقين والصلاحية والصواب، فهذا لن يحدث مع الدين الحق. لكن في وسعه -أي العقل- أن يفهم الشرع ويكتشف أسراره وحِكَمه.

وثالثا إن زعمه بأن النقل لا يتحدث عن نفسه، ولا يعرف نفسه إلا من خلال الذهن الإنساني. فهو زعم باطل، فيه تغليط وتدليس على القراء. لأن الشرع وحي عرض نفسه بنفسه، فالله تعالى خاطبنا بكلامه، وتجلى لنا في كتابه، وعرض لنا فيه أصول دينه وفروعه. فالقرآن الكريم كتاب يتحدث بنفسه، ويعرض مضمونه، ليس من خلال الذهن الإنساني، وإنما عن طريق الوحي المعصوم بواسطة جبريل الروح الأمين، فأوصله إلينا رسول الله -عليه الصلاة والسلام- من دون أي تصرف ولا تدخل منه، لقوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْأنه فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْأنه ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بيانه} -سورة القيامة:16 - 19 - ، و قُلْ مَا يَكُونُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت