الصفحة 25 من 643

وثانيا إن قوله: إن العقل قادر على أن يقضي على كل لُبس في فهم النصوص، هو قول فيه حق وباطل، فأما الحق، فهو أن العقل يستطيع فهم كلام الله تعالى، وكلما كان منهجه -في الفهم- سليما، كان صوابه كثيرا، والعكس صحيح. وقوله هذا هو اعتراف من الرجل، بأن العقل يستطيع فهم نصوص الشرع، ومعرفة مضمونها، وقد زعم سابقا أنها- أي النصوص الشرعية- لا تُفهم ولا تثبت شيئا. لكنه هنا، زعم أن العقل قادر على أن يقضي على كل لُبس في فهمها. فهذا تناقض واضح، رد به الرجل على نفسه، فلماذا لم تعُقه اللغة هنا؟!. ولماذا لم يعُقه الفهم والرواية، وأسباب النزول في تفسير الوحي وفهمه؟! ..

وأما الباطل فهو زعمه بأن العقل قادر على أن يقضي على كل لُبس في فهم نُصوص الشرع، فهذا كلام مبالغ فيه جدًا، وفيه باطل كثير أيضا. لأن الواقع يشهد على أن العلماء -قديما وحديثا- اختلفوا في فهم نُصوص الشرع، واختلفت مواقفهم حتى بين علماء المذهب الواحد. ولم يصلوا إلى فهم واحد في كثير من النصوص، ولم يرتفع اللبس، وظل الخلاف قائما. فأين العقل الجبار المزعوم الذي يرفع كل لُبس في فهم النصوص؟!. ونحن لا ننكر أنه إذا صدقت النوايا، و صح منهج فهم الوحي، فإن كثيرا من الخلافات ستزول، وتسع قاعدة الاتفاق، ويضيق مجال الاختلاف، لكن الاختلافات ستبقى خاصة في مجال الاجتهادات و الاختيارات التي لا نصوص صريحة فيها، والتي قد تحتمل عدة قراءات، وهذا حال اختلاف علماء الصحابة في كثير من المسائل الفقهية [1] .

وأما القول بأن العقل يبدأ بالبداهة والوضوح واليقين، فهذا قول لا يصح على إطلاقه، ولا يعبر إلا على جانب من الحقيقة، وهي أن العقل قد ينطلق في كثير من أحكامه من اليقين والبداهة، لكن هذا ليس دائما. فإنه كثيرا ما ينطلق العقل من الظن، والاحتمال، والافتراض، مع ضبابية التصور، والشاهد على ذلك ما نجده من كثرة الفروض والنظريات في علوم الطبيعة والعمران البشري. فلو كانت قائمة على اليقينيات والبديهيات، والحقائق الواضحة، ما كانت فروضًا ونظريات، و ما حدث

(1) أنظر مثلا عمر سليمان: الأشقر تاريخ الفقه الإسلامي ص68 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت