الصفحة 24 من 643

مجرد ظن، ولا يرقى إلى مرتبة اليقين، فالنقل لا يتحدث بنفسه، ولا يعرض نفسه إلا من خلال الذهن الإنساني. النقل وحده لا يثبت شيئا». لكن العقل يؤدي إلى اليقين ببداهته وأولوياته، وبراهينه واستقرائه. وميزة الدليل العقلي أنه يبدأ ببدائه يقينية، و وضوح العقل وبداهته، فلا يحتاج إلى إيمان مُسبق بأي نص، ويقضي العقل على كل لُُبس في فهم النصوص [1] .

وأقول: إن الرجل لا يمل من تكرار مزاعمه وأباطيله المتعلقة بالدليل الشرعي مقابل الدليل العقلي، فنفس الفكرة عبَّر عنها بتعابير مختلفة. و زعمه هذا غير صحيح في معظمه، و مملوء بالدعاوى ورُعونات النفس، وبالكلام اللاعلمي، واللاعقلاني، واللاشرعي. وذلك أنه أولا زعم أن العقل لا يقف شيء غامض أمامه، وأنه قادر على إثبات أي شيء أو نفيه. وهذا زعم مضحك، لا يصح أن يصدر عن إنسان من أهل العلم. فقائله إما أنه لا يعي ما يقول، و إما أنه صاحب هوى يتعمد ذكر ذلك لغايات في نفسه. كالطعن في الشرع، والغلو في العقل، ليفتح لنفسه طريقا يُقزِّم به الشرع، ويتقدم عليه، ويطرح أفكاره المهيّئة سلفا. و إلا فإنه قد أصبح من المعروف - شرعا وعقلا وعلما - أن كل علوم الإنسان نسبية، لسبب واحد، هو أن أدواته نسبية، وعقله محدود، و قاصر على إدراك كل شيء. وقد أظهر الواقع الصحيح مدى عجز العقل في معرفة أمور كثيرة، لم يصل فيها إلى موقف يقيني صحيح، لمعرفة حقيقة نشأة الكون، وخلق الحياة والإنسان، وعجزه في علاج كثير من الأمراض المزمنة، التي يعاني منها ملايين البشر، كمرض السكري، والسرطان، والإيدز، والحساسية وغيرها من الأمراض. فالإنسان مهما أُوتي من علم وعبقرية، فهو محدود القدرات، لأنه كائن مخلوق ناقص، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا} -سورة الإسراء:85 - ، و {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} - سورة طه:114 - ، و {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} -سورة يوسف:76 - . فهذا الذي ذكرناه حقيقة ثابتة، لا ينكرها أو يتناساها إلا مُتعصب أعماه هواه وتعصبه.

(1) 1 - حسن حنفي: من العقيدة إلى الثورة، ج1 ص:273،380،381. وموسوعة الحضارة العربية الإسلامية، ج2 ص:125.واليمين واليسار في الفكر الديني، ص:18

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت