الصفحة 23 من 643

اليقينيات الأولية الفطرية قليلة بالمقارنة إلى الحقائق واليقينيات التي يكتشفها الإنسان من محيطه، وهي ليست بديهية، وإنما هي مكتسبة.

ومع أن العقل أكتشف حقائق كثيرة، فإنه مايزال عاجزا عن معرفة أمور كثيرة جدًا جدًا، في نفسه، وعقله، وجسده، ومحيطه وفي العالم بأسره. كما أنه توجد - إلى جانب الحقائق التي توصل إليها الإنسان - نظريات، و ظنيات، و ترجيحات، واحتمالات كثيرة جدًا، في مختلف العلوم، لم يستطع العقل الوصول فيها، إلى حقائق نهائية ثابتة. مما يعني- بالضرورة- أن العقل ليس كما وصفه حسن حنفي و غلوه فيه. وإنما هو قوة - على أهميتها - نسبية من قوى الروح، تعتمد على الاحتمال والترجيح والاستقراء، وأفعالها تحتمل الخطأ والصواب معا. وليست بديهية، ولا يقينية بالضرورة، بل هي خليط من كل ذلك. وهذا هو الذي أغفله حسن حنفي، وأصدر حكمه ببديهية ويقينية أحكام العقل مقابل ظنية نُصوص الشرع، وعدم قدرتها على إثبات أي شيء. وهذا الزعم لا يصح، وقد بينا بطلانه شرعا وعقلا، و واقعًا، وهو حكم لا يصح أن يصدر من إنسان يدعي العلم والعقلانية.

وليس صحيحًا ما زعمه الرجل، من أن الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين، لأن الأمر لا يتعلق باللفظ، من حيث أنه لغة، فاللغة هي -في الحقيقة- وسيلة يمكن أن يُعبر بها عن الحقائق واليقينيات، كما أنه يمكن أن يُعبر بها عن الأساطير والظنون، والأباطيل و الاحتمالات. وإنما الأمر يتعلق بمدى وضُوح المبحوث فيه، و بطريقة الاستدلال المستخدمة، وبمدى صحة الاستنتاج. والشاهد على ذلك هو أن الحقائق العلمية التي أكتشفها الإنسان، تقابلها نظريات أخرى كثيرة، تثبت عدم صحتها أو ماتزال معلقة، وكلها -تمَّ التعبير عنها- بلغة واحدة، هي لغة الإنسان، بحروفها، ومفرداتها وجملها.

وأما الموقف الرابع فيتعلق بمدى قوة العقل وأسبقيته على الشرع، فزعم حسن حنفي أن النص الشرعي لا يُثبت شيئا، بل هو في حاجة إلى إثبات، في حين أن العقل لا يقف شيء غامض أمامه. و هو قادر على إثبات كل شيء، أو نفيه؛ فلا مفر من البداية بالدليل العقلي، فهو أساس النقل. و أن «النقل بدون العقل يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت