وهو قد تحجج باللغة، في أنها تساهم في جعل الدليل الشرعي ظنيا، ونسي نفسه، أو تناسها، بأنه متناقض مع نفيه فيما زعمه. لأن هذه اللغة - التي زعم أنها تعوق فهم الوحي فهما صحيحا - هي نفسها التي استخدمها هو بنفسه في فهمه للشرع، وعرضه لأفكاره، وفهمه للنصوص وسعيه لإقناعنا بصحة ويقينية ما ذهب إليه. فلماذا كانت هذه اللغة يقينية في نتائجها عندما استخدمها هو في فهم الوحي؟!، ولماذا ليست يقينية عندما يستخدمها مخالفوه في فهم الوحي، وتقرير حقائقه؟. ولماذا هو يفهم بها حقيقة الوحي، وغيره لا يفهم بها إلا الظنيات؟!. و لماذا هو لا تعوقه تلك اللغة في فهم الوحي، و تعوق غيره في فهمه؟!، و لماذا عندما يكتب هو باللغة العربية، يكون كلامه صحيحا ويفهمه غيره، و عندما يكتب بها مخالفوه لا يكون الأمر كذلك؟!. إننا لا نجيب على هذه التساؤلات، لأن أجوبتها واضحة بديهية معروفة بالضرورة من طبيعة تلك التساؤلات.
وهو متناقض أيضا، لأنه في الوقت الذي يزعم أن المنقولات ظنية، ولا تُثبت شيئا، نجده ملأ كتبه بها، نقلا عن المتكلمين، والفلاسفة، والمؤرخين، وعلماء الشريعة، و بنى عليها أفكاره، و زعم أنها يقينية عقلانية، ودافع عنها بحماس، مستخدما اللغة العربية التي هي نفسها التي يُفهم بها الشرع. فهل يُعقل أن يكون ما كتبه حسن حنفي باللغة العربية، وما نقله عن هؤلاء، و ما ذهب إليه يقينيا، وحقا، وصوابا، وصحيحا، لكن كلام الله ورسوله المكتوب باللغة العربية، هو ظني وليس يقينيا، ولا يُثبت شيئا؟؟!!. ومن الذي يكون كلامه حقا ويقينيا بالضرورة، كلام الله ورسوله أو كلام البشر؟؟!!.
ورابعًا إن ما زعمه الرجل في حق العقل، مبالغ فيه جدًا جدًا. لأن يقينيات العقل الأولية قليلة جدًا، بالمقارنة إلى الحقائق التي يتوصل إليها بالبحث والاستقراء، و المحاولة والخطأ. وقد أثبت الشرع [1] والواقع أن الإنسان يولد باستعدادات، وقدرات كامنة فيه، ثم تنمو تدريجيًا، فيكتسب الإنسان الخبرات، ويكتشف الحقائق، ويؤسس العلوم، بناء على مبادئ العقل الفطرية الأولية المعروفة. وهذا يُبين أن
(1) َ - كقوله تعالى: «وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شيئا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون «النحل/78.