فإن خبر الآحاد قد يكون طريقا إلى الصدق و الحق و اليقين خلاف ما أراد أن يوهمنا به حسن حنفي.
و أما الدليل الشرعي، فهو الذي قصده الرجل بكلامه السابق، فصبّ عليه جام غضبه و تعصبه، و نزع منه كل صدق و يقين بغير دليل صحيح و لا ضعيف و لم يكن فيه موضوعيا و لا طالبا للحق. و نسي أو تناسى أن القرآن الكريم قطعي الثبوت بدليل القرآن و التاريخ من جهة، و قطعي الدلالة لأنه كتاب مُحكم مُفصل لا يأتيه الباطل أبدا من جهة أخرى. لذا فإن زعمه السابق لا يصدق على القرآن الكريم. و أما بالنسبة للسنة النبوية فمنها ما هو صحيح متواتر، و منها ما هو آحاد صحيح تم تحقيقه و تمحيصه إسنادا و متنا، و فق منهج نقد الخبر في علم مصطلح الحديث. و منها ما هو ضعيف و موضوع فهو متروك لا يؤخذ له، و لا تصح نسبته إلى رسول الله -عليه الصلاة و السلام - [1] ، لكن الرجل تجاهل كل ذلك، و أصدر تلك الأحكام الباطلة في حق الدليل الشرعي.
و ثانيا إن حسن حنفي - بتلك المزاعم و الأحكام - أنكر حقائق و يقينيات معروفة من دين الإسلام بالضرورة، فزعمه بأن الدليل النقلي كله ظن و لا يثبت شيئا يعني أن القرآن كله لا حق فيه و لا يقين. و هذا زعم باطل لا يقوله مسلم، بل لا يقوله إنسان موضوعي حيادي يحترم نفسه و عقله و علمه. لأن القرآن شاهد على نفسه بأنه كلام الله تعالى، و أنه حق و برهان، و هداية و نور، بل أنه كله مُحكم و لا مُتشابه فيه لأنه -أن القرآن - عندما أشار إلى تضمنه للمحكم و المتشابه في قوله سبحانه: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَابِ} -سورة آل عمران:7 - ، قصد بذلك أنه يتضمن آيات محكمة واضحة في ذاتها هي الأصل و منه آيات أخرى متشابهات تحتمل عدة تفسيرات و معان، لكنها مُحكمة بالمحكمات، و قد نصّ القرآن على أنه
(1) عن ذلك أنظر مثلا: محمد عجاج الخطيب: السنة قبل التدوين، ط1/ مكتبة وهبة القاهرة 1963.