الصفحة 18 من 643

فالمتواتر صحيح إذا توفرت فيه شروط الصحة، وانتفى عنه الشك، ولا يحتاج إلى تحقيق لإثباته. و أما الآحاد فهو الخبر الذي يرويه أحاد الناس و لم تتوفر فيه شروط المتوارث، لذا فهو يحتمل الخطأ و الصواب، و الصدق و الكذب [1] .

و مع ذلك، فإنه لا يصح إصدار حكم مطلق بأن النقل كله ظني و لا يصح، و لا يثبت شيئا، فهذا كلام بلا علم، و لا يصح أن يصدر عن إنسان ينتمي إلى أهل العلم. و الحقيقة هي أن خبر الآحاد يحتمل الخطأ و الصواب و الصدق و الكذب، لذا يجب إخضاعه للنقد و التمحيص للتأكد من صحته، أو خطئه، أو ترجيح صدقه من كذبه أو العكس. فإذا ما أخبرنا إنسان بخبر ما فهو قد يكون صادقا في خبره، و قد يكون كاذبا فيه. و ما علينا -في هذه الحالة -إلا التأكد من صحته بنقده و تمحيصه، و السعي إلى التحقق منه بالمشاهدة إن كان ذلك ممكنا بناء على قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} -سورة الحجرات:6 - ، فالله تعالى أمرنا بالتحقق و التأكد بكل ما نستطيع، مع أن الراوي مجروح لكنه أمرنا -مع ذلك - بالتثبت و التبين، لأن المجروح قد يصدق. لكن حسن حنفي أصدر حكما بالإعدام في حق الشرع، دون أي دليل صحيح و لا ضعيف، إلا رغباته و مصالحه و مذهبيته، و أكد على أن الدليل الشرعي ظني و لا يثبت شيئا. مع أن الحقيقة خلاف ذلك، فإذا ما أخبرنا إنسان بخبر ما، و حققناه و تأكدنا منه فهذا دليل قاطع على أنه خبر الآحاد قد يكون صحيحا و صادقا و يقينيا. و هذا هو الأصل في حياة الإنسان قديما و حديثا، فمعظم أخبارنا في حياتنا العادية تنقل إلينا بطريق الآحاد عن طريق أصحابنا و أولادنا و جيراننا و نأخذ بها، و نصدق معظمها، و نبني حياتنا عليها. و إذا اشترطنا فيها التواتر فستتوقف حياتنا، لأنه لا يمكن أن يتوفر ذلك في أخبارنا و حياتنا اليومية من جهة، كما أنه يضر بالناس إذا اشترطناه من جهة أخرى. و هذا يُؤدي إلى كشف أسرار الناس و تعطيل مصالحهم. و عليه

(1) - سنعود إلى هذا الموضوع في الفصل الثالث من كتابنا هذا إن شاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت