الصفحة 16 من 643

و كما أن العقل ينص على أنه على الجاهل إتباع العالم، و على الأعمى أن يتبع البصير فإن العقل يأمر المخلوق بأن يطيع خالقه و يخضع له، و لا يصح أبدا أن يتقدم عليه، و لا أن يزاحمه و لا ينافسه، و لا يجعل نفسه ندا له. و من يقول بخلاف ذلك فهو ليس متبعا لعقله و إنما هو متبع لأهوائه و مصالحه الدنيوية، و لا يحق له أن يغلفها بدعاوى العقل و العقلانية.

و رابعا إن قوله بأن العقل أساس النقل، حتى لا ينغلق العقل على نفسه و يصبح الفكر ذاتا و موضوعا في آن واحد. فهذا زعم لا يصح وهو و تلاعب بالألفاظ، لأن العقل الإنساني -بحكم أنه ناقص - لا يستطيع الانغلاق على نفسه حتى و إن حاول ذلك. فهو لا ينمو و لا يتقوى و لا يزداد علما و كشفا و تجربة، إلا بالانفتاح على الخارج حيث الطبيعة و العمران البشري. و أما الانغلاق الذي أشرنا إليه الرجل -فإذا تصورناه جدلا- فإنه سيحدث -ليس كما ادعى الرجل- و إنما سيحدث عندما يدعي العقل أنه يكفي نفسه بنفسه، و أنه هو أساس النقل -أي الوحي - في هذه الحالة ينغلق العقل على نفسه، و يحدث الذي تخوف منه حسن حنفي و حذر منه.

و أما إذا جعلنا الدين الحق، هو أساس العقل فهذا لا يِؤدي إلى ما حذر منه الرجل و إنما يؤدي إلى الانفتاح بشكل يقيني على عالم الألوهية، و الجنة و النار، و عالم التاريخ الصحيح للطبيعة و الإنسان. و يتعرف أيضا على علوم يقينية لا يمكنه معرفتها إلا بالوحي الإلهي الحق الذي هو دين الإسلام.

و أما قوله: (( و ربما اختار أنا أن العقل لا وصاية عليه لا من نقل و لا من حاكم و لا غيره ) )فهذا الكلام غير علمي، لأن العقل الفطري البديهي لا يقول ذلك، و إنما يقول: أنا لا أخضع إلا للحق و لا أقبل أمرا إلا بدليل ََََصحيح من الشرع، أو من العقل، أو منهما جميعا. و الذي لا يقبل وصاية الدين الحق، و لا الدليل الصحيح فهو ليس متبعا للشرع و لا للعقل و إنما هو متبع لأهوائه و ظنونه و شهواته. و الوصاية التي نقول بها هنا ليست نقصا و لا عيبا و إنما هي كمال و عزة و شرف، تقوم على النقل الصحيح و العقل الصريح و العلم الصحيح. و من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت