و هذا هو عين الحق شرعا و عقلا، و هو الوضع الصحيح الذي يقول به الشرع الصحيح و العقل الصريح. و من يقول خلاف ذلك فلا هو متبع للشرع و لا للعقل، و إنما هو متبع لأهوائه و ظنونه و شهواته. و يصدق عليه قوله تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنفس وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} -سورة النجم:23 - .
و ثالثا إن مقولة: تأسيس النقل على العقل -في وجود الدين الحق -ليست كما زعم الرجل فهي ليست من الأسس المعرفية التي توصل إليها العلم في العصر الإسلامي، و إنما ذلك كان يمثل اتجاها ضمن تاريخ العلم عند المسلمين و لم يكن مُجمعا عليه بين أهل العلم. و هذا سبق أن بيناه، و أبطلنا ما زعمه حسن حنفي عن ذلك الإجماع المزعوم.
و أما تصحيحه لتلك المقولة، فهو تصحيح لا يصح شرعا و لا عقلا، فأما شرعا فإن الله تعالى أوجب علينا إتباع دينه و الخضوع له قلبا و قالبا، و من يخالفه في ذلك فجزاؤه جهنم و بئس المصير، فقال سبحانه و تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنس إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} -سورة الذاريات:56 - ،و قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} -سورة الأنعام:153 - ،و قوله تعالى: (َمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ -سورة النساء:13 - ،و قوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} -سورة النساء:14 - ، و قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} -سورة الأنعام:162 - .
وأما عقلا فإن العقل الفطري الصريح يقول بداهة بأنه على المخلوق أن يكون عبدا عابدا لخالقه، طائعا خاشعا له خائفا منه راجيا ما عنده محبا له، فليس من العقل القول بخلاف ذلك. فالكفر بالله، أو عصيانه و الخروج على شرعه و الصد عن سبيله هو سلوك مخالف لما يقول العقل الفطري البديهي.