الصفحة 14 من 643

فأين إجماع علماء أصول الدين و اتفاقهم على أن العقل أساس الدين على حد زعم حسن حنفي؟. فالرحل أخذ موقف المعتزلة و عممه على كل علماء أصول الدين على اختلاف طوائفهم و اتجاهاتهم الفكرية، و هذا عمل ليس من الموضوعية و لا من أخلاقيات و أبجديات البحث العلمي في شيء.

و ثانيا إن زعمه بأن الدليل النقلي ظني و لا يرقى إلى اليقين إلا بالدليل العقلي، هو زعم لا يصح، شرعا و لا عقلا. و سنناقشه فيه و نُبطله في موضع لاحق من هذا المبحث إن شاء الله تعالى.

و أما زعمه بأن تأسيس النقل على العقل هو مقولة صحيحة و من الأسس المعرفية التي توصل إليها العلم خلال العصر الإسلامي. فهو أمر فيه حق و باطل. و بيان ذلك هو أنه قد توجد حالات يكون فيها العقل هو الأساس و المنطلق، و المرجع و الوسيلة و المآل، و هي ثلاث حالات رئيسية: أولها يكون فيها العقل الأساس و المرجع عند عدم و جود الدين الإلهي الحق، ففي هذه الحالة على الإنسان أن يتمسك بإيمانه بالله تعالى، و يجتهد ليعيش حياة إنسانية كريمة ما وجد إلى ذلك سبيلا، و مرجعه في كل ذلك العقل الصريح و العلم الصحيح.

و الحالة الثانية يكون فيها العقل هو الأساس و المآل عند وجود أديان باطلة مع عدم وجود الدين الحق، ففي هذه الحالة عليه أن يتحمل مسؤوليته بقوة و شجاعة و جدارة، فيتمسك بإيمانه بالله تعالى و يرفض تلك الأديان الزائفة جملة و تفصيلا، و يعيش حياة طبيعية بلا خوف و لا قلق لأن إيمانه بالله تعالى هو رأس ماله، مرجعه في كل أحواله العقل الصريح و العلم الصحيح.

و أما الحالة الأخيرة - الثالثة - فيكون فيها العقل مرجعا و وسيلة في حالة وجود الدين الحق، فيستخدمه في البحث عنه و التعرف عليه و التأكد من أنه هو دين الله تعالى، فإذا وجده و تيقن من أنه كذلك، فما عليه إلا الإيمان به، و الخضوع له، و التسليم له. و هنا يتغير و ضع العقل مع الدين الحق فكان وسيلة و مرجعا أثناء البحث عنه و العثور عليه. لكن عندما آمن بدين الله أصبح الدين الحق هو الأساس و المنطلق و المرجع، و العقل هو العابد لله تعالى، و الخاضع لشرعه قلبا و قالبا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت