و أما بالنسبة للسنة النبوية الصحيحة، فهي تابعة للقرآن الكريم، و مُحكمة به، و مُفَسرة به، و مُفسِرة له أيضا من جهة، وهي مفسرة لنفسها بنفسها موجهة أخرى. و بذلك يكون الشرع، قرآنا و سنة مستقلا بنفسه مستغنيا عن غيره بمضمونه و منهاج فهمه و استدلاله.
و ثالثا إن الرجل أثار تلك الشبهات ليحط من مكانة الوحي، ويقدم العقل عليه بدعوى أنه ناقص و ظني. و هذا زعم باطل لأنه نسي أو تناسى أن الوحي هو كلام الله المعجز الكامل المُحكم من جهة، و أن العقل البشري - مهما أوتي من عبقرية - فهو ناقض بالضرورة من جهة أخرى. لأنه جزء من قوى الإنسان العقلية والمادية و الروحية، و الإنسان كائن مخلوق محدود القدرات و محتاج إلى غيره ليعيش في هذه الدنيا. من ذلك أن العقل يأخذ معظم معلوماته من خارجه بواسطة حواسه النسبية المحدودة، فهو ناقص محتاج إلى خالقه عز و جل و إلى بني جنسه، و إلى قوى الطبيعة التي سخرها الله له.
لذا فإن العقل غير مستقل بنفسه و لن يستطيع أن يكون كذلك، و هذا خلاف الوحي الإلهي، الكامل المحكم المستقل عن الإنسان، فهو ليس تابعا لأي مخلوق، لأنه كلام الله تعالى.
و لو لم يكن الوحي مستقلا بنفسه عن المخلوقات، ما وصفه الله تعالى بأنه (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ -سورة هود:1 - ،و أنه" {لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} -سورة فصلت:42 - . و ما وصفه أيضا بأنه حق و علم، كقوله سبحانه: {و َلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} -سورة البقرة:120 - ، و {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُوا فإن لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} -سورة النساء:170 - ،و {ذَلِكَ بأن اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} -سورة البقرة:176 - . و لو لم يكن كذلك ما تحدى الله به الإنس و الجن على أن يأتوا بمثله، و ما أمرنا بإتباعه، و لما توعد من لم يأخذ به بالخسران المُبين، كقوله تعالى"