هذه الزلزلة التي تذكر بالآخرة، يا أيها الناس القضية ليست استمتاع بالقنوات، وبيع وشراء على الشاشات، والتنعم بعالم الملبوسات، وأخذ بالأزياء والموضات، وهكذا غرق في الملهيات والألعاب والترفيه والسياحات، يا أيها الناس إن من وراء هذه الدنيا آخرة، إن من وراء هذه الدنيا التي أنتم فيها محشر واجتماع عند الله وحساب وجزاء وتطاير صحف وميزان وصراط وحوض، جنة ونار، هنالك مجيء الرب -عز وجل-، وإحاطة الملائكة وحصار الجن والأنس بهذه الحلقات، من أهل السماء الذين ينزلون لحصار الناس في المحشر، {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} (الرحمن:33) .
فالسلطان قد ذهب، والقوة لله جميعا.
عباد الله، يغتر الناس بالدنيا وما فيها، هي فتنة، الدنيا حلوة خضرة، لكن عندما تحدث فيها كوارث، يرى الناس الوجه الآخر، يرى الناس أبعادًا أخرى، تدرك عقولهم أشياء لم يكونوا بغير الكوارث بالغيها، وتحوم عقولهم حول معاني لم تكن لتحوم حولها طيور فكرهم لو لم تحدث هذه الأشياء، وينظر الإنسان إلى الجبال، {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} (النحل: من الآية15) . وكثرة الزلازل هذه التي تبين قرب الساعة، وأن المراد بكثرة الزلازل ليس مجرد الوقوع وإنما كما قال بن حجر في فتح الباري:"وقَدْ وَقَعَ فِي كَثِير مِنْ الْبِلَاد الشَّمَالِيَّة وَالشَّرْقِيَّة وَالْغَرْبِيَّة كَثِير مِنْ الزَّلَازِل وَلَكِنَّ الَّذِي يَظْهَر-يعلق على حديث البخاري: (( لا تقوم الساعة حتى تكثر الزلازل ) ). - أَنَّ الْمُرَاد بِكَثْرَتِهَا شُمُولهَا وَدَوَامهَا". فتح الباري.
فتقع في الأماكن المختلفة تطول، وأيضًا فإن هذا يذكر بالخسوفات الثلاث في أشراط الساعة، وأيضًا فإنه يذكر بأخذ الله للأمم، بأخذ الله للمدن، بأخذ الله لما يكون على الأرض من عامرٍ فيصبح خرابًا في ثوانٍ.
حوادث من التاريخ
ماذا حصل في بومبي الرومانية لما هلك عشرات الآلاف في عيد إله النار لديهم، وتحول كثير منهم إلى جثث متحجرة، وسحقت الصخور أسقف المباني، وزحفت الحمم الملتهبة على المدينة، لتغلف أكثر من ألفين جثة بتحنيطٍ محكم، حتى يعثر عليهم من بعدهم كل واحد على الحال التي كان عليها لما هجم عليهم الركام البركاني فغلّفهم.
وفي تاريخنا ماذا كان يفعل المسلمون، قال ابن عساكر في تاريخ دمشق في حوادث 233هـ:
"زلزلت دمشق يوم الخميس ضحى فقطعت ربع الجامع وتزايلت الحجار العظام -يعني: عن أماكنها- ووقعت المنارة، وسقطت القناطر والمنازل وامتدت في الغوطة".
وقال صاحب كتاب النجوم الزاهرة: