فمثلًا: عندهم -خاصةً في الماضي وربما اندرست هذه العادة الآن- عادة يسمونها المساهر، حيث يجلسون في رمضان خاصةً بعد صلاة التراويح إلى السحور، فيأتي ذوو اليسار والغنى الذين أوجد الله عليهم ورزقهم، فيستأجرون قارئًا يقرأ لهم القرآن في بيوتهم، فيجتمع الناس على هذا القارئ، ويرفعون أصواتهم بعد قراءة كل آية بلفظ الجلالة -الله الله- أو الله يكرمك، ربنا يكرمك ويعطونه من هذه الدعوات، ويرفعون أصواتهم بهذه الصيحات، ولا شك أن هذا مخالف لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم لعدة أمور:
أولًا: قراءة القرآن بالأجر لا أصل لها، وهذا الذي يقرأ بالأجر الدنيوي ليس له أجر عند الله تعالى مادام قصده من القراءة الأجر من الناس.
ثانيًا: أن جمع الناس بهذه الطريقة لا تتم به الفائدة، فإن الأصل أن يقرأ الإنسان وحده ليتدبر ويخشع ويتمعن، ولذلك قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في السبعة الذين يظلهم الله في ظله- قال: {ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه} .
ثالثًا: أن رفع الأصوات عند قراءة القرآن ليس من عادات المؤمنين، ولا يجوز ولا يسوغ، فإن الله عز وجل قال: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت:26] صحيح أنهم لا يرفعون أصواتهم عند القراءة، إنما يرفعونها بعد ما يسكت، لكن أيضًا هذا فيه سوء أدب مع القرآن، ولم يكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه يفعلونه، ففي الصحيح أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لعبد الله بن مسعود: اقرأ عليَّ القرآن. قال: قلت يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أنزل؟!
قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأ عليه سورة النساء حتى وصل إلى قول الله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} [النساء:41] قال: حسبك الآن، يقول ابن مسعود: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان - صلى الله عليه وسلم -.
هذا هو الخشوع والتأثر بالقرآن، وهذا هو الاعتبار والأدب الواجب مع قراءة القرآن.
ومن الأشياء التي تحتاج إلى وقفة فيما يتعلق بالقرآن الكريم: ما يسمى عند الناس اليوم بالختمة، وقد تحدثت عنها في مناسبات أخرى؛ لكن في هذا المناسبة أذكرها، فإن الناس في هذا -كما يقال- طرفان ووسط، وأعني بالختمة: إتمام قراءة القرآن في صلاة التراويح والقيام، ثم الدعاء المعروف، فمن الناس من يقول: هذه بدعة ولا يفصل، ومن الناس من يقول: الختمة سنة ويعمل بها -أيضًا- دون تفصيل.
والذي أراه صوابًا أنه لا بد من التفصيل في ذلك، فأقول:
أولًا: إتمام قراءة القرآن الكريم في صلاة التراويح والقيام مشروع، كما سبق.
ثانيًا: الدعاء عند ختم القرآن الكريم -أيضًا- مشروع، وقد ثبت من حديث جابر عند أحمد وأبي داود، ومن حديث عمران بن حصين عند الطبراني، وهما حديثان صحيحان، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {اقرءوا القرآن وادعوا الله به} وفي لفظ: {وسلوا الله به، فإنه يأتي قوم يتعجلون أجره ولا يتأجلونه} فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نقرأ القرآن ونسأل وندعو الله به.
إذًا: فالدعاء عند ختم القرآن مستحب، وفي سنن الدارمي بسند جيد أن أنسًا رضي الله عنه [[كان إذا ختم القرآن الكريم جمع أهل بيته فدعا بهم] ].
ثالثًا: هذا الدعاء الذي يقال عند ختم القرآن الكريم ينبغي أن يكون في صلاة الوتر، سواء في التراويح أو في القيام، وذلك لأن الوتر هو المكان الذي ثبت شرعًا أنه مكان للدعاء، فكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو، ويقنت في وتره، وعلَّم الحسن كما في سنن الترمذي بسند حسن، أنه - صلى الله عليه وسلم - علمه أن يقول: اللهم اهدني فيمن هديت .. إلى آخر الدعاء المعروف.
فالسنة في الدعاء أن يكون في الوتر، قبل الركوع أو بعده، فكلاهما ثبت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان أكثر دعائه صلى الله عليه وسلم بعد الركوع.
رابعًا: هذا الدعاء لا مانع من إطالته بمناسبة ختم القرآن، بمعنى أن يضاعف الإنسان الدعاء بمناسبة ختم القرآن، ويضيف أدعية تتعلق بالقرآن الكريم، مثل قول بعضهم: اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن الكريم، اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا أرحم الراحمين، اللهم اجعل القرآن لنا شفيعًا .. إلى آخر الأدعية الخاصة بالقرآن، وهذه مناسبة جيدة، أن يختار الإنسان أدعية تتعلق بالقرآن الكريم.