الصفحة 15 من 115

أما الدعاء الشائع عند الناس الذي يبدأ عندهم بقوله: صدق الله العظيم الذي لم يزل عليمًا قديرًا ... إلى آخر الأدعية التي تبدأ عندهم بصدق الله العظيم، صدق الله، ومن أصدق من الله قيلًا، أو صدق الله العظيم وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ما قال ربنا من الشاهدين، ولما أوجب وألزم غير جاحدين. فهذه لا أصل لها، والأولى بالإنسان أن يتجنبها، خاصةً وقد انتشرت عند الناس حتى ظن بعضهم أنها من السنن، فلو تركها أحد لأنكروا عليه وقاموا في وجهه، وقالوا: لقد خالفت السنة!! وليس لها أصل صحيح.

ومما يدخل في المنع: أن بعض الناس يزيد في دعاء ختم القرآن مواعظ وأذكارًا تتعلق بذكر القبر وما يقع فيه من عذاب، وكذلك ذكر الصراط والبعث والجزاء والحساب والجنة والنار وما يقع فيها، ولا شك أن هذا ليس محله، وهو من الاعتداء المنهي عنه، وربما أوصل بعضهم إلى أن تبطل صلاته، لأن بعضهم يحول الدعاء إلى موعظة ويخاطب المصلين بالخطاب المباشر، وهذا يبطل الصلاة بلا شك.

فينبغي أن يفرق بين هذا وهذا، فمن يقول: إن الختمة بدعة أو الختمة سنة، كلاهما ينبغي أن لا يتسرع في إطلاق هذه الكلمة، بل لا بد أن يفصل ويبين ما يكون سنة وما ليس بسنة، مع أن الأمر لا ينبغي التشديد فيه -فيما يظهر لي- حتى إن الذين يقرءون دعاء الختمة في التراويح، أعني في صلاة ثنائية في غير الوتر، يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في صلاة الفجر، كما ثبت عنه مرات، وثبت عنه القنوت في غير صلاة الفجر، في صلاة الظهر والعصر والعشاء في أحاديث كثيرة، فيقولون هذا من هذا، وإن كان هذا لا يقاس عليه، والعبادات ليس فيها مجال للقياس، ولذلك لا أصل للدعاء في صلاة ثنائية فيما أعلم.

القيام

الوقفة الثانية عشرة: هي مع القيام.

فكما أن رمضان شهر الصيام فهو شهر القيام، يقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل:1 - 5] ويقول عز وجل في صفة عبادة المحسنين: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات:17 - 18] .

ولذلك ثبت في صحيح مسلم، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل} وفي سنن الترمذي بسند صحيح، عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: {لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة سمعت الناس يقولون: جاء محمد جاء محمد، وانجفل الناس إليه -أي هرعوا وركضوا وأسرعوا إليه، وكان عبد الله بن سلام يهوديًا لم يسلم بعد- قال: فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فنظرت في وجهه، فلما استثبت في وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب. قال: فسمعته يقول: يا أيها الناس، أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام} .

وفي رمضان خاصة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة: {من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه} وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام بأصحابه، كما ثبت ذلك من حديث عائشة في الصحيحين: {أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ليلة فصلى رجال بصلاته، فلما كان من الليلة الثانية كثر الناس فصلوا بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما كان من الليلة الثالثة أو الرابعة كثر الناس حتى عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أصبح ثم قال لهم: قد عرفت مكانكم، ولكنني خشيت أن تفرض عليكم، ما منعني من الخروج إليكم إلا أنني خشيت أن تفرض عليكم، فصلوا -أيها الناس- في بيوتكم} فثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه صلاة القيام في رمضان ليلتين أو ثلاثًا.

وكذلك حديث أبي ذر، الذي رواه أهل السنن وسنده صحيح، قال: {لم يقم بنا النبي صلى الله عليه وسلم حتى بقي سبع ليال، فصلى بنا حتى كان ثلث الليل، فلما كان من الليلة الثانية لم يصل بنا، فلما كان من الليلة الثالثة صلىَّ بنا حتى مضى شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله! لو نفلتنا بقية ليلتنا -أي: لو صليت بنا بقية الليلة- فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة. ثم قام بهم بعدها - صلى الله عليه وسلم - الليل كله، قال: حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح} والفلاح هو السحور، يعني صلى بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى خشوا أن يفوتهم السحور.

وهاهنا في موضوع قيام الليل في رمضان خاصة، لنا عدة ملاحظات:

عدد صلاة التراويح

الأولى: حول عدد التراويح، فالناس مختلفون اختلافًا كثيرًا من إحدى عشرة إلى تسع وأربعين ركعة، وما بين ذلك، اختلافات طويلة عريضة في عددها، ولا يعنينا ذكر هذه الاختلافات، إنما يهمنا أمور:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت