السبب الثالث: -لتضاعف اهتمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن في رمضان-: أن جبريل كان يأتيه في رمضان فيدارسه القرآن كل ليلة، كما في الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: {كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان يلقاه في كل ليلة، فلرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير من الريح المرسلة، وفي العام الذي توفي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم عارضه جبريل بالقرآن مرتين} فقد خصص جبريل عليه السلام شهر رمضان من الحول؛ لينزل إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كل ليلة فيتدارس معه ما أنزل من القرآن، أي من الحول إلى الحول، فكان رمضان فرصةً لمراجعة ما سبق نزوله من رمضان الماضي إلى رمضان الحاضر مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكان يعارض النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن فيقرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - وجبريل يستمع إليه، ويتم من خلال هذه العرضة إثبات ما أمر الله بإثباته، ونسخ ما أمر الله بنسخه: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَاب} [الرعد:39] .
كما أنه قد يكون من ضمن ذلك شرح معاني القرآن ومدارستها بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين جبريل، ومن هذا أخذ أهل العلم مشروعية ختم القرآن في رمضان، لأن جبريل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - كانا ينهيان ما سبق نزوله من القرآن الكريم، وفي آخر سنة تم ختم القرآن مرتين من خلال المعارضة والمدارسة بين جبريل والنبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا دليل على أنه يستحب للمسلم أن يقرأ القرآن الكريم في رمضان مرةً أو أكثر، بل إن السنة للإنسان أن يختم القرآن في كل شهر مرة، بل إن استطاع في كل أسبوع مرة، بل لو استطاع أن يختم القرآن في كل ثلاث ليال لكان مستحبًا له ذلك، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ولذلك كان السلف رضي الله عنهم يخصصون جزءًا كبيرًا من رمضان لقراءة القرآن، حتى قال الزهري رحمه الله: إذا دخل رمضان فإنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام، وكان الإمام مالك رحمه الله إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث، وأقبل على قراءة القرآن الكريم من المصحف.
ونقل عن جماعة من السلف كالنخعي، والأسود وغيرهم، أنهم كانوا يختمون القرآن في كل ثلاث ليال مرة، فإذا دخل رمضان ختموه في كل ليلتين مرة، فإذا كان في العشر الأواخر ختموه في كل ليلة.
أخطاء الناس في قراءة القرآن
وحول موضوع القرآن ورمضان، أريد أن أشير إلى بعض الملاحظات الجوهرية.
فمن الملاحظات: أن بعض الناس يظنون أن ختم القرآن مقصود لذاته، فيهذ الواحد منهم القرآن هذ الشعر، لا يقف عند معانيه ولا يتدبره ولا يتخشع، ولا يرق قلبه عند معاني القرآن الكريم، إنما يهذه هذًا، وهمه الوصول إلى آخر السورة، أو الوصول إلى آخر الجزء، أو أن ينتهي من قراءة القرآن الكريم، ولا شك أنه ليس لهذا نزل القرآن، فإن الله يقول في القرآن نفسه: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِه} [ص:29] .
إذًا: المقصود هو التدبر والاتعاظ والاعتبار قال الله: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [المرسلات:50] {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} [الجاثية:6] ويقول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل:4] فمن الخطأ الكبير أن بعض الناس يهمه أن يهذَّ القرآن هذًا ويختم، وإذا سمع هذه الآثار عن السلف أنهم ختموا في كل يوم مرةً أو في كل يومين مرة، قال: لا بد أن أقتدي بهم، فأصبح يهذُّ القرآن هذًا، لا يقف عند معانيه ولا يتدبره، ولا يخرج الحروف من مخارجها، ولا يعطي الأحكام التجويدية حقها، وهمه أن يختم القرآن، ولا شك أن ختم القرآن ليس مقصودًا لذاته، ولا شك أن كون الإنسان يقرأ بعض القرآن أو جزءًا أو سورةً منه، بتدبر وتفكر وتمعن خير من أن يقرأ القرآن كله دون أن يفهم منه شيئًا.
وقد ثبت في موطأ مالك -رحمه الله- أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه جلس في تحصيل سورة البقرة عشر سنوات، فلما أتمها، نحر بدنة.
هل ترى أن ابن عمر رضي الله عنه جلس عشر سنوات يتحفظ سورة البقرة؟
كلا! فإن صبيان الكُتَّاب عندنا يحفظون القرآن كله في سنة أو في سنتين، فلم يكن ابن عمر بحاجة إلى أن يجلس عشر سنين يحفظ سورة البقرة. إنما كان رضي الله عنه عشر سنين يحفظ السورة ويتعلم أحكامها ومعانيها وناسخها ومنسوخها وخاصها وعامها، ويقف عندما ورد فيها، وهذا هو الذي جعله يستغرق في ضبطها عشر سنين.
الملاحظة الثانية: أنه في بعض البلاد يوجد عادات شكلية حول قراءة القرآن، ومن ذلك مصر.