الصفحة 12 من 115

أولها: أن ابتداء نزول القرآن كان في رمضان، أي أن الليلة التي نزل فيها جبريل على النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَق * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم} [العلق:1 - 4] كانت في رمضان، في الشهر الذي هو في الحقيقة شهر رمضان، وقد جاءت قصة نزول جبريل على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها: {أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء الليالي ذوات العدد يتحنث -وهو التعبد- قبل أن ينزع إلى أهله، ثم ينزع إلى أهله ويتزود لمثلها، حتى جاءه الملك فقال له: اقرأ. فقال: ما أنا بقارئ، قال عليه الصلاة والسلام: فأخذني فغتني أو فغطني -يعني ضغطه- حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ، -أي: أنا لا أحسن القراءة، لأنه كان أميًا عليه الصلاة والسلام- ثم فعل به ذلك ثلاثًا، ثم أرسله فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1] .

فرجع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خديجة ترجف بوادره، يقول: زملوني زملوني، فزملوه وغطوه حتى سكن ما به، ثم أخبرها الخبر وقال: لقد خشيت على نفسي. فقالت له: {أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق} .

ثم انطلقت به إلى ورقة بن نوفل وكان امرءًا تنصر في الجاهلية، فهو يقرأ من الإنجيل بالعبرانية، ويكتب ما شاء الله أن يكتب، فأخبره الخبر، فقال: هذا الناموس الذي كان يأتي موسى، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك. قال: أو مخرجي هم؟

قال: نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرا. ثم لم يلبث ورقة أن مات، وفتر الوحي فترة فهذه الحادثة كانت في رمضان على ما ذكره ابن إسحاق، وأبو سليمان الدمشقي، كما نقله ابن الجوزي في كتابه: زاد المسير في علم التفسير.

إذًا: فأول آيات أنزلت من القرآن الكريم كانت في رمضان، وعلى هذا حمل بعض أهل العلم قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185] أي: ابتدأ إنزاله، ويحتمل -أيضًا- أن يكون هذا هو معنى قوله عز وجل: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1] وفي الآية الأخرى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدخان:3] فهي ليلة القدر وهي من رمضان.

السبب الثاني: في أن عناية الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن في رمضان تتضاعف: أن رمضان هو الذي أنزل فيه القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، كما جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه وأطبق عليه السلف، أن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن من اللوح المحفوظ، إلى بيت العزة في السماء الدنيا في رمضان، وفي ليلة القدر، ثم كان ينزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - منجمًا بحسب الوقائع والأحوال والملابسات، كما هو معروف في أسباب النزول، ولذلك جاء عن جابر رضي الله عنه أنه قال: [[إن صحف إبراهيم أنزلت في أول يوم من رمضان، وإن التوراة أنزلت على موسى بعد مضي ستة أيام من رمضان، وإن الزبور أنزل على داود بعد مضي اثني عشر يومًا من رمضان، وإن الإنجيل أنزل على عيسى بعد مضي ثمانية عشر يومًا من رمضان، وإن القرآن أو الفرقان أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد مضي أربعة وعشرين يومًا من رمضان] ] وقد نقل هذا المعنى عن جماهة من الصحابة، كواثلة بن الأسقع، وعائشة رضي الله عنهما وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرفوعًا وموقوفًا، ونقل أيضًا أن الحسن بن علي رضي الله عنه، لما قتل أبوه رضي الله عنه قال: [[لقد قتلتم رجلًا في ليلة أنزل فيها القرآن على محمد - صلى الله عليه وسلم -، ورفع فيها عيسى إلى السماء، وقتل فيها يوشع بن نون، وتيب فيها على بني إسرائيل] ] والآثار في ذلك عن السلف كثيرة جدًا، خلاصتها أن القرآن الكريم أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر في رمضان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت