ويتحدث صاحب تفسير المنار محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى عن الخير الكامن في الشرور والابتلاءات فيقول معلقًا على هذه الآية: (( الشدائد تميز بين القوي في الإيمان والضعيف فيه، فهي التي ترفع ضعيف العزيمة إلى مرتبة قويها، وتزيل الالتباس بين الصادقين والمنافقين وفي ذلك فوائد كثيرة منها:
ـ أن الصادق قد يفضي ببعض أسرار الملة إلى المنافق؛ لما يغلب عليه من
حسن الظن والانخداع بأداء المنافق للواجبات الظاهرة، ومشاركته للصادقين في سائر الأعمال؛ فإذا عرفه اتقى ذلك .
ـ ومنها أن تعرف الجماعة وزن قوتها الحقيقية لأنها بانكشاف حال المنافقين لها تعرف أنهم عليها لا لها، وبانكشاف حال الضعفاء الذين لم تُربهّم الشدة تعرف أنهم لا عليها ولا لها . هذا بعض ما تكشفه الشدة للجماعة من ضرر الالتباس، وأما الأفراد ، فإنها تكشف لهم حجب الغرور بأنفسهم؛ فإن المؤمن الصادق قد يغترّ بنفسه فلا يدرك ما فيها من الضعف في الاعتقاد والأخلاق لأن هذا مما يخفى مكانه على صاحبه حتى تظهره الشدائد؛ فلما كان هذا اللبس ضارًا بالأفراد والجماعات ولم يكن من شأن الله ولا من حكمته أن يستبقي في عباده ما يضرهم؛ مضت سنته بأن يميز الخبيث من الطيب فتظهر الخفايا، وتبلي السرائر حتى يرتفع الالتباس، ويتضح المنهج السوي للناس )) [1] ا هـ.
الآية الخامسة:
قوله تعالى: (( قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) ) (الأنعام: 12) .
ومناسبة هذه الآية لموضوعنا هي أن رحمة الله عز وجل بعباده هي الأصل في كل ما يقضيه ويقدره .
(1) تفسير المنار: عند الآية ( 179 ) من سورة آل عمران .