فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 350

والله سبحانه يعْلم المؤمنين والمنافقين، والله سبحانه يعلم ما تنطوي عليه الصدور، ولكن الأحداث ومداولة الأيام بين الناس تكشف المخبوء، وتجعله واقعًا في حياة الناس، وتحوّل الإيمان إلى عمل ظاهر، وتحوّل النفاق كذلك إلى تصرف ظاهر، ومن ثم يتعلق به الحساب والجزاء، فالله سبحانه لا يحاسب الناس على ما يعلمه من أمرهم، ولكن يحاسبهم على وقوعه منهم ....

... ثم يمضي السياق القرآني يكشف عن الحكمة الكامنة وراء الأحداث في تربية الأمة المسلمة وتمحيصها وإعدادها لدورها الأعلى، ولتكون أداة من أدوات قدره في محق الكافرين، وستارًا لقدرته في هلاك المكذبين: (( وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) ).

والتمحيص درجة بعد الفرز والتمييز، التمحيص عملية تتم في داخل النفس وفي مكنون الضمير،، إنها عملية كشف لمكنونات الشخصية، وتسليط الضوء على هذه المكنونات تمهيدًا لإخراج الدخل والدغل والأوشاب، وتركها نقية واضحة مستقرة على الحق، بلا غبش ولا ضباب .

وكثيرًا ما يجهل الإنسان نفسه، ومخابئها ودروبها ومنحنياتها، وكثيرًا ما يجهل حقيقة ضعفها وقوتها، وحقيقة ما استكن فيها من رواسب، لا تظهر إلا بمثير !

وفي هذا التمحيص الذي يتولاه الله سبحانه بمداولة الأيام بين الناس بين الشدة والرخاء يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه قبل هذا المحك المرير: محك الأحداث والتجارب والمواقف العملية الواقعية، ولقد يظن الإنسان في نفسه القدرة والشجاعة والتجرد والخلاص من الشح والحرص،، ثم إذا هو يكشف على ضوء التجربة العملية، وفي مواجهة الأحداث الواقعية أن في نفسه عقابيل لم تمحص، وأنه لم يتهيأ لمثل هذا المستوى من الضغوط. ومن الخير أن يعلم هذا من نفسه، ليعاود المحاولة في سبكها من جديد، على مستوى الضغوط التي تقتضيها طبيعة هذه الدعوة، وعلى مستوى التكاليف التي تقتضيها هذه العقيدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت