فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 350

ونختم الحديث عن هذه الآية من سورة البقرة بتعليق مفيد لصاحب الظلال رحمه الله تعالى حيث يقول: (( إن هذه اللمسة الربانية للقلب البشري لتفتح أمامه عالمًا آخر غير العالم المحدود الذي تبصره عيناه، وتبرز أمامه عوامل أخرى تعمل في صميم الكون، وتقلّب الأمور، وترتب العواقب على غير ما كان يظنه ويتمناه. وإنها لتتركه حين يستجيب لها طيّعًا في يد القدر، يعمل ويرجو، ويطمع ويخاف، ولكن يرد الأمر كله لليد الحكيمة والعلم الشامل، وهو راضٍ قرير.. إنه الدخول في السلم من بابه الواسع.. فما تستشعر النفس حقيقة السلام إلا حين تستيقن أن الخيرة فيما اختاره الله، وأن الخير في طاعة الله دون محاولة منها أن تجرب ربها، وأن تطلب منه البرهان!

إن الإذعان الواثق، والرجاء الهادئ، والسعي المطمئن.. هي أبواب السلم الذي يدعو الله عباده الذين آمنوا ليدخلوا فيه كافة.. وهو يقودهم إليه بهذا المنهج العجيب العميق البسيط. في يسر وفي هوادة وفي رخاء؛ يقودهم بهذا المنهج إلى السلم حتى وهو يكلفهم فريضة القتال؛ فالسلم الحقيقي هو سلم الروح والضمير حتى في ساحة القتال.

وإن هذا الإيحاء الذي يحمله ذلك النص القرآني، لا يقف عند حد القتال، فالقتال ليس إلا مثلًا لما تكرهه النفس، ويكون من ورائه الخير.. إن هذا الإيحاء ينطلق في حياة المؤمن كلها. ويلقي ظلاله على أحداث الحياة جميعها.. إن الإنسان لا يدري أين يكون الخير وأين يكون الشر...

...وكل إنسان - في تجاربه الخاصة - يستطيع حين يتأمل أن يجد في حياته مكروهات كثيرة كان من ورائها الخير العميم. ولذّات كثيرة كان من ورائها الشر العظيم. وكم من مطلوب يكاد الإنسان يذهب نفسه حسرات على فوته؛ ثم تبين له بعد فترة أنه كان إنقاذًا من الله أن فَّوت عليه هذا المطلوب في حينه،وكم من محنة تجرعها الإنسان لاهثًا يكاد يتقطع لفظاعتها، ثم نظر بعد فترة فإذا هي تنشئ له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت