... قال أبو إسحاق الشاطبي: «وكثيرًا ما تدخل المشقات وتتزايد من جهة مخالفة الهوى، واتباع الهوى ضد اتباع الشريعة، فالمتبع لهواه يشق عليه كل شيء، سواءً أكان في نفسه شاقًا أم لم يكن؛ لأنه يصده عن مراده ويحول بينه وبين مقصوده، فإذا كان المكلف قد ألقى هواه ونهى نفسه عنه وتوجه إلى العمل بما كلف به خف عليه؛ ولا يزال بحكم الاعتياد يداخله حُبّه، ويحلو له مُرّه، حتى يصير ضده ثقيلًا عليه، بعد ما كان الأمر بخلاف ذلك، فصارت المشقة وعدمها إضافية تابعة لغرض المكلف، فرب صعب يسهل لموافقة الغرض وسهل يصعب لمخالفته» (1) .
... وأخيرًا: ليعلم من حاك في صدره، أو زوّر في نفسه، أن هذه الشريعة في حاجة إلى تهذيب أو تخفيف؛ لتوافق حاجات الناس حتى يألفوها، أن هذه الشريعة «مؤتلفة النظام، متعادلة الأقسام، مبرأة من كل نقص، مطهرة من كل دنس، مسلمة لا شية فيها، مؤسسة على العدل والحكمة والمصلحة والرحمة، قواعدها ومبانيها، إذا حرّمت فسادًا حرّمت ما هو أولى منه أو نظيره، وإذا رعت صلاحًا رعت ما هو فوقه أو شبهه، فهي صراطه المستقيم الذي لا أمت فيه ولا عوج، وملته الحنيفية السمحة التي لا ضيق فيها ولا حرج، بل هي حنيفية التوحيد، سمحة العمل، لم تأمر بشيء فيقول العقل: لو نهت عنه لكان أوفق. ولم تنه عن شيء فيقول الحجى: لو أباحته لكان أرفق. بل أمرت بكل صلاح ونهت عن كل فساد، وأباحت كل طيّب، وحرمت كل خبيث، فأوامرها غذاء ودواء، ونواهيها حمية وصيانة، وظاهرها زينة لباطنها، وباطنها أجمل من ظاهرها، شعارها الصدق، وقوامها الحق، وميزانها العدل، وحكمها الفصل.
(1) الموافقات (1/332) ط. دراز.