الصفحة 30 من 117

وقال أبو إسحاق الشاطبي: «وربما فهم بعض الناس أن ترك الترخص تشديد فلا يجعل بينهما وسطًا، وهذا غلط، والوسط هو معظم الشريعة وأم الكتاب، ومن تأمل موارد الأحكام بالاستقراء التام عرف ذلك، وأكثرُ من هذا شأنُهُ -من أهل الانتماء إلى العلم- يتعلق بالخلاف الوارد في المسائل العلمية، بحيث يتحرى الفتوى بالقول الذي يوافق هوى المستفتي بناءً منه على أن الفتوى بالقول المخالف لهواه تشديدٌ عليه، وحرج في حقه، وأن الخلاف إنما كان رحمة لهذا المعنى، وليس بين التشديد والتخفيف واسطة، وهذا قلبٌ للمعنى المقصود في الشريعة» (1) .

... الأمر الثاني: لا بد للمفتي عند الإفتاء أن يقدر مآلات فتواه وآثارها، ومقاصد الشريعة، والتنبه للوازم القول، والتبصر بواقع المسائل، فإن لم يفعل فهو عن درجة الاجتهاد: إما قاصِرٌ أو مُقصّر.

... الأمر الثالث: ينبغي عدم إدخال العامة في تفاصيل بعض المسائل الخلافية مما يشوّش أذهانهم، ويُحيّر ألبابهم، ويشتت عقولهم، بل يجعلهم يظنون أنهم بالخيار بين هذه الأقوال، فصاروا يبحثون عن القول الأسهل بزعمهم، ويتركون ما دل عليه الدليل.

قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: «حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله» (2) .

وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه: «ما أنت بمحدثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (3) .

وقال أبو الوفاء ابن عقيل في الفنون: «حرامٌ على عالِمٍ أدرك عِلمًا أطاقه فحمله، أن يرشح به إلى ضعيفٍ لا يَحْمِله ولا يَحْتمِله؛ فإنه يُفسده» (4) .

(1) الموافقات (4/259) .

(2) رواه البخاري (127) .

(3) رواه مسلم في المقدمة (1/11- مع شرح النووي) .

(4) نقله في الآداب الشرعية (2/149) بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت